الاستقرار في جنوب لبنان رهن بإنهاء الوجود العسكري للحزب... التهديدات جدّية!
في معرض حديثه لإحدى المحطات الأميركية قال وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو " أن مشكلة إسرائيل هي مع حزب الله وليس مع الدولة اللبنانية وليس لإسرائيل أطماع في لبنان. وجدّد القول إنّ البلدين يسعيان إلى السلام، مضيفاً أنّه لا ينبغي لإسرائيل أن تقيم منطقةً عازلة داخل لبنان، ولا ترغب في إقامة وجود دائم على الأراضي اللبنانية". وعن الدعم الأميركي للجيش اللبناني لمعالجة مشكلة حزب الله، قال روبيو إنّ الجيش قد يمتلك الإرادة، لكنه يفتقر إلى القدرة الكاملة للتعامل مع كلّ التهديدات الصادرة عن حزب الله داخل الأراضي اللبنانية. مضيفاً أن إدارته تعمل على "نظام يتيح لوحداتٍ مختارة داخل الجيش اللبناني الحصول على التدريب والمعدّات والقدرات اللازمة لمواجهة حزب الله".
في السياق نفسه، وبالتزامن مع كلام روبيو قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر بأن إسرائيل لا تملك مطامع أو نوايا للتمدد أو البقاء الدائم في لبنان، مشددا على أن الخلاف ليس مع دولة لبنان، بل مع "حزب الله" الذي وصفه بأنه عدو مشترك بين تل أبيب وبيروت وهي تريد التوصل إلى "سلام وتطبيع" للعلاقات مع لبنان. كما طالب بأن يقوم جيش وحكومة لبنان باتخاذ خطوات عملية لوقف هجمات حزب الله واستعادة سيادتهم على أراضيهم.
تأتي هذه التصريحات في سياق تضارب الأنباء حول التوجهات الإسرائيلية داخل لبنان والتهديدات المباشرة وغير المباشرة لرئيس الجمهورية جوزاف عون وآخرها ما صدر اليوم بأن "حياته ستكون في خطر في حال ذهب إلى المفاوضات.
في العمق، تعكس هذه المواقف محاولة إسرائيلية -أميركية لإعادة طرح معادلة قديمة بصيغة جديدة: ربط الاستقرار في جنوب لبنان بإنهاء الوجود العسكري للحزب، باعتباره التهديد الرئيسي للأمن الإسرائيلي. فمن وجهة نظر تل أبيب، يشكّل سلاح حزب الله عاملاً دائماً لعدم الاستقرار، خصوصا بعد تصاعد التوترات الإقليمية، وهو ما يدفعها إلى استخدام الضغوط الدبلوماسية بالتوازي مع التلويح بالقوة لفرض واقع أمني مختلف.
أما الموقف الأميركي، فيندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، مع الحفاظ على أمن إسرائيل كأولوية ثابتة. في هذا الإطار يمكن أن نفهم تصريحات روبيوالتي توحي بدعم مقاربة تقوم على "نزع فتيل الأزمة" عبر معالجة جذورها، أي سلاح حزب الله، بدلاً من الاكتفاء بإدارة التوتر.
وفي قراءة لأبعاد الرسائل الأميركية-الإسرائيلية يرى الكاتب السياسي المحامي أمين بشير أن كلام روبيو وساعر كان واضحا. فالمبادرة التي أطلقها الرئيس جوزاف عون حول المفاوضات مع إسرائيل لوقف الحرب في لبنان تلقفها الأميركي، وهو يريد أن يطمئن الجانب اللبناني أنه مجرد سحب سلاح حزب الله تخرج إسرائيل من لبنان. ولم يعد سرا أن الدولة اللبنانية أثبتت عدم قدرتها على القيام بهذه المهمة بعدما أعطيت فرصة لمدة سنة ونصف وتشكلت لجنة الميكانيزم لمراقبة عملية نزع السلاح فكانت النتيجة صفر. ورأينا النتائج مع إدخال حزب الله لبنان في حرب مع إسرائيل ثأراً لمقتل المرشد علي خامنئي".
وبالحقيقة المجردة، يضيف بشير"واضح أن إسرائيل ستتولى مسألة نزع سلاح حزب الله وتدمير مستودعات الأسلحة والصواريخ وتصنيع المسيرات التي يملكها إضافة إلى تدمير الأنفاق . أما مسألة بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان فيرتبط بمسألة السلاح علما أن البعض يفترض أنه سيقيم منشآت عسكرية في المنطقة العازلة أو ما يعرف بالخط الأصفر. وللعلم، فإن إسرائيل أنشأت منطقة عازلة في شمال غزة وجنوب سوريا وجنوب لبنان لضمان أمن مستوطناتها الشمالية وعندما يتأمن ذلك تنسحب وهذا غير قابل للمناورة لأن الضامن الوحيد اليوم في هذا الملف هي الولايات المتحدة ونعلم كيف ألزمت نتنياهو القبول بقرار وقف إطلاق النار في لبنان".
في الظاهر، تبدو مواقف ساعر وروبيو جزءاً من استراتيجية ضغط سياسية-دبلوماسية تهدف إلى فرض معادلة أمنية جديدة في لبنان، عنوانها نزع سلاح حزب الله مقابل خفض التوتر مع إسرائيل. هذه المقاربة تضع لبنان ورئيس الجمهورية في موقع دقيق، حيث يُطلب منه لعب دور في ملف داخلي شديد التعقيد.
ضمن هذا السياق، قد تُقرأ أي إشارات تصعيدية أو رسائل مبطّنة على أنها محاولة لرفع منسوب الضغط على الرئيس جوزاف عون، لدفعه نحو خيارات صعبة. لكن الانتقال من فكرة "الضغط السياسي" والتهديدات غير المباشرة إلى تهديد مباشر على حياته يشكل نوعا من الضرب على أحد أكثر الملفات رواجاً في أزمنة الحروب في لبنان فهل يجب الأخذ به جدياً أم القفز فوقه؟
يعتبر بشير أن الخطر على جوزاف عون واقعي، إذ لن يرضى حزب الله بأن يذهب عون إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وسحب ورقة لبنان من يد إيران وهو مستعد لاستعمال كل الوسائل التي يملكها ولو كان الثمن غاليا جداً، وطالما أن المفاوضات مفرملة بتمنٍ سعودي ولا قدرة للجيش على نزع سلاح حزب الله، فالسيناريو سيكون على الشكل التالي استمرار الضربات الإسرائيلية حتى إنهاء حزب الله، مع الأخذ في الإعتبار الطلب الأميركي بعدم التعرض للبنى التحتية والمطار والمرفأ والعاصمة بيروت وسيقاتل الحزب بما يملك مما تبقى لديه من مخزون عسكري، لأن لا إمدادات من إيران مع إقفال المعابر السورية في وجهه وتدمير الأنفاق والحراسة الدولية المشددة على المطار والمرفأ.
تصريحات ساعر وروبيو ليست مجرد مواقف إعلامية، بل تعكس توجهاً سياسياً يسعى إلى إعادة صياغة قواعد الأمن على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية. غير أن ترجمة هذه التوجهات إلى واقع عملي تبقى رهينة توازنات معقدة تجعل من هذا الطرح أقرب إلى ورقة ضغط سياسية منه إلى خطة قابلة للتنفيذ في المدى القريب.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|