عن “الهاها” المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد
يحمل إيموجي “الهاها” ردّاً لاذعاً قد يحوّل أهم الوقائع والتصريحات إلى مجرّد استهزاء عارم أو تهكّم لا حدود له. وكلّما تواتر استخدامه كتعليق على إحدى التدوينات السياسية، تفاقم استغلاله لتجريد المواقف من جدّيتها.
وعند انتشار موجة الضحك الافتراضية، تزداد فرص ظهورها كتسخيف عبثي لأشدّ المسائل إلحاحاً. ويسهم رد فعل “الهاها” في تشويه المعنى وتزييف السياق، إذ تنتابه حملات مبرمجة للنيل من الرموز وفبركة المزاج الشعبي جماهيرياً.
قد تضحك “الذبابات الإلكترونية” لتبثّ سمّها في مغزى الأحداث، وقد يضحك الجيش الإلكتروني بأكمله للإطاحة بأهمية معطى سياسي حاسم.
في كل زاوية يُرسل منها إيموجي السخرية، لكي يرافق حدثاً مصيرياً أو رأياً وطنياً، يتم التقليل من شأن الحقيقة والمسّ بوضوح الواقع.
هذه الوجوه الصفراء الصغيرة، الضاحكة حتى تسيل دموعها من شدّة الهزل، تعبّر عن ظاهرة نفسية اجتماعية اتصالية، وقد تخلق رأياً عاماً سطحياً.
إنّ رجع الصدى الإعلامي من أبرز سمات شبكات التواصل الاجتماعي، فلا ينبغي العودة إلى زمن أحادية الاتصال والاكتفاء بتلقي الرسالة دون التفاعل معها.
لكن تحويل خطاب رزين وهادف إلى نوبات ضحك متتالية يحمل في طيّاته انحساراً فكرياً في المجتمع. في ظل الضحك الرقمي، تصبح الحرب لهواً، والآلام لعبة، والفاجعة قهقهة. وإنّ الاستهانة بجروح الشركاء في الوطن، ولو كنا لا نفهمها أحياناً، لا تنسجم مع الروح الإنسانية والوطنية.
وتشكّل الضحكات الإلكترونية دليلاً على افتقاد الردود المناسبة والحكيمة، وعلى حالة الإرباك والخواء التي يشعر بها أي فريق يجنح إلى الإفراط في استغلالها وتوظيفها في مواجهة الخصم السياسي.
إنّها لمسة أو ضغطة على الشاشة تستغرق ثانية من الوقت، يتمّ فيها التخلي عن الرصانة لبرهة، واستدعاء اللامنطق من غياهب الفوضى.
وقد تشير دوّامات الضحك المنتشرة على صفحات التواصل إلى محاولات هروب من العقد والكبت والقهر والهزيمة، وتسعى إلى إلغاء قيمة أفكار الآخرين معنوياً عبر السخرية المنظمة منها.
تعرّي الضحكات الإلكترونية أصحابها بقدر ما تمسّ الجهة المستهدفة. ولعلّ التعليقات المكتوبة على المنصات الرقمية لا تُقرأ بمجملها، بينما يظهر رمز الضحك فجّاً صارخاً متباهياً، وينبري كأسلوب يسهل رصده وملاحظته والحكم عليه.
للضحك، علمياً، فوائد تكمن أبرزها في تحرير النفس من ضيق التفكير، على أن لا تكون محفّزاته مآسي الإخوة في الوطن الواحد مهما تعددت انتماءاتهم. ويقلّل الضحك من هرمون الكورتيزول، إنّما يرفع مستوى الكراهية والشماتة والحقد في القضايا الوطنية.
ربما يقول البعض إنها حرية تعبير، ولكن عندما تهدد السلم الأهلي تصبح خطرة وفادحة. فهي ليست مجرّد نقرة عابرة، بل رسالة وصلت وأوجعت وتركت تأثيراً معرفياً ووجدانياً وسلوكياً.
إنّ المتأمّل لوضعنا المحلي وخسائرنا البشرية والمادية يشعر برغبة في البكاء المرير لا الضحك الفارغ. ويبقى الضحك أفضل من التهديد بالاغتيال أو توجيه الشتائم والإهانات، لكنه رد فعل رقمي ينضح بالقبح الشديد عند استخدامه أمام تضحيات الشهداء.
نسب مرعب - لبنان الكبير
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|