محليات

اتصال الـ29 دقيقة الذي قد يغيّر وجه لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ليس تفصيلاً عابراً أن يجري اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الجمهورية جوزاف عون في ذروة اشتباك إقليمي مفتوح، ولا أن يمتد 29 دقيقة في لحظة تنشغل فيها واشنطن بإدارة واحدة من أعقد المواجهات مع إيران. في حسابات السياسة، الوقت يحمل دلالاته، وحين يُمنح لبنان هذا الحيّز، فذلك مؤشر واضح إلى أن موقعه عاد إلى دائرة الاهتمام الفعلي، لا الشكلي.

خلال الشهرين الماضيين، واجه لبنان واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث. تصعيد إسرائيلي واسع دمّر قرى وبلدات ومدناً، وألحق أضراراً جسيمة بالبنى التحتية، وفرض واقعاً ميدانياً قاسياً مع احتلال عشرات القرى ونزوح مئات الآلاف من المواطنين. في خضم هذا المشهد، طرح رئيس الجمهورية خيار التفاوض المباشر ووقف إطلاق النار، في خطوة بدت في حينها خارج السياق العام، بل وُوجهت بانتقادات وتشكيك من قوى داخلية متعددة اعتبرت الطرح غير واقعي أو غير قابل للتحقق.

غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا الخيار لم يكن مغامرة سياسية بقدر ما كان قراءة استباقية لمسار الأحداث. واشنطن، التي تسعى إلى احتواء التصعيد ومنع توسّعه، وجدت في المبادرة اللبنانية مدخلاً عملياً لخفض التوتر. ومن هنا، يكتسب الاتصال بين ترامب وعون دلالته، باعتباره إشارة إلى تقاطع مصالح وتبنٍّ ضمني لمسار أدرك الجميع أهميته.

ميدانياً، برز تحوّل لافت تمثّل بالانتقال من التصعيد إلى وقف إطلاق نار، ولو في مرحلته الأولية. هذا التحول لم يكن ليحصل لولا تدخل أميركي مباشر، ومن ترامب شخصياً، وإصرار الرئيس عون على إنجازه قبل الشروع بالتفاوض المباشر، ما أعطى موقع رئاسة الجمهورية بعداً متقدماً بوصفها جهة قادرة على تقديم مقاربة قابلة للتطبيق في لحظة شديدة التعقيد. ما كان يُنظر إليه في بداية الحرب كخيار نظري، تحوّل إلى مسار فعلي أوقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع، وهو ما لم يكن في حسبان كثيرين.

في المقابل، يعكس الداخل اللبناني صورة مغايرة. فالمواقف السياسية، ولا سيما ضمن الساحة المسيحية، بدت مترددة أو غائبة إلى حد كبير، باستثناء موقف بكركي التي أعلنت دعمها الواضح لخيار الاستقرار والتفاوض. هذا الغياب لا يمكن قراءته فقط كحذر سياسي، بل يطرح علامات استفهام جدية حول أداء قوى يُفترض أنها معنية مباشرة بدعم موقع رئاسة الجمهورية في لحظة سيادية مفصلية.

هل هو تردد في اتخاذ موقف؟ أم حسابات سياسية ضيقة تتقدّم على المصلحة الوطنية؟ في لحظات التحول الكبرى، لا يُقاس الحضور بالصمت، ولا يُفسَّر الغياب بالحياد، بل يُترجم إما دعماً واضحاً أو تقاعساً مكلفاً.

المسألة تتجاوز مسار التفاوض بحد ذاته، لتطال موقع لبنان في المرحلة المقبلة. رئيس الجمهورية يطرح عملياً إعادة تموضع للبنان، بعد عقود من الانخراط في محاور إقليمية، باتجاه صيغة أكثر توازناً. هذا الطرح يفتح الباب أمام نقاش استراتيجي عميق، لا سيما في ظل استمرار التعقيدات المرتبطة بسلاح حزب الله ودور إيران في المعادلة الداخلية.

في موازاة ذلك، يظهر اهتمام خارجي متزايد بدعم مسار الاستقرار. السعودية كثّفت اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين في الأسابيع الأخيرة، فيما يُنتظر أن يواكب الفاتيكان أي مبادرة تؤدي إلى تثبيت السلم. هذا التقاطع الدولي – العربي يمنح المسار زخماً إضافياً، لكنه لا يكفي وحده في ظل غياب موقف داخلي متماسك.

ختاماً، لا يمكن التعامل مع اتصال الـ29 دقيقة كحدث عابر. هو مؤشر إلى بداية مسار قد يفتح أمام لبنان نافذة نادرة للخروج من دوامة الأزمات. غير أن هذا المسار، مهما حظي بدعم خارجي، يبقى رهناً بمدى استعداد الداخل لالتقاط الفرصة.

بين رئيس يطرح خياراً ويترجمه، وقوى سياسية لا تزال أسيرة التردد أو الحسابات الضيقة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يُحسن لبنان استثمار هذه اللحظة، أم يضيفها إلى سجل الفرص الضائعة؟

وليد خوري - ليبانون ديبايت

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا