الصحافة

عندما تصبح الميليشيا الخاسر الأكبر

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ظهرت الدولة بكامل أناقتها السيادية والوطنية في مفاوضات واشنطن، وإذا بها تطلّ بالعلم اللبناني وحده، بعدما مزّقت عنها الراية الحزبية الصفراء التي قيّدتها لعقود مضت. لم تكن “مزلطة” بتاتاً كما زعم بعضهم، بل وللمرة الأولى حضرت بقوة مكلّلة بالإرادة السياسية، ومتّشحة بحصرية القرار.

استطاع الرئيسان عون وسلام تحويل الحرب الضروس إلى بارقة استقرار دائم لن يناله لبنان سوى بالجهود الدبلوماسية الحثيثة، وباستثمار شبكة علاقاته الممتدة. ولّى عهد الدولة-الرهينة، التي كانت تُستدعى فقط عند سقوط الضحايا، وإبّان المناسبات البروتوكولية أو مبادرات الإغاثة…

رفضت الدولة أن يتم اختزالها من قبل النظام الإيراني المتهالك، الذي لطالما اتخذ من اللبناني ورقة للمساومة، بينما هو يفاوض شيطانه الأكبر متى تدعو الحاجة. واندلعت الحرب الأخيرة ثأراً لمقتل خامنئي، ولن تنطفئ إلا بالابتعاد عن كل ما يمتّ لنظام “الملالي” بصلة.

لقد دفع لبنان أصعب الأثمان في جبهات الإسناد، فكان شبابه يُقتلون دفاعاً عن محور إقليمي زُجّ بهم في سوريا في سبيل إخماد ثورة عادت وانتصرت. كما استخدمهم النظام الفارسي لتوسيع نفوذه في المنطقة. وأصبح لبنان في عداد الأذرع أو الوكلاء، تماماً كالحشد والحوثي… وطُبّقت عليه إملاءات وحدة الساحات وشروطها.

لو صدقت “المقاومة” مع شعبها ودولتها، لكانت رضيت بنزع السلاح بعد العام 2000، لكنها ذهبت بعيداً، حتى تورّطت في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان يسعى للحدّ من سطوة الوصاية والسلاح اللاشرعي من خلال العمل مع الشركاء في الوطن.

نعم، لم تستطع ثورة الأرز العبور إلى الدولة، مع أنها اجتهدت وجاهدت من خلال الوسائل السلمية والوطنية، في حين فتكت الاغتيالات برموزها ومناضليها. واستدارت “المقاومة” إلى الداخل في السابع من أيار لفرض سيطرتها، في أسوأ مشهد فئوي وفاجر.

من الإنصاف وصف قيادات المرحلة الحالية بالشجاعة، لكن من تمام الإنصاف كذلك الاعتراف بحكمة القيادات التي زامنت غزوة بيروت 2008، والتي جنّبت البلد فتنة كانت وشيكة ودامية إلى أبعد الحدود.

من هنا، تتطلب قراءة المشهد السياسي فهم الظروف التي رافقت حقبة استقواء الحزب على الدولة، عبر تذكّر وقائع وتداعيات تبدأ بغزو العراق، وتلزيم المنطقة لطهران، ولا تنتهي بنصر “إلهي” مكّنته منه إسرائيل في 2006.

إذن، كانت القوى السيادية الوطنية تفوز في الانتخابات، من دون أن تنجح في تحويل مبادئها إلى واقع، لأن الميليشيا كانت تزداد عنفاً وتهديداً للسلم الأهلي، في ظلّ تجاهل وتراخٍ دولي. وليست ظواهر مثل “فتح الإسلام”، ومؤامرات مثل إسقاط الحكومة، سوى نماذج من تجاوز الميليشيا للدولة، والتي وصلت إلى حدّ التسبب بجريمة المرفأ.

في سوريا، استطاع الرئيس أحمد الشرع تحرير البلاد، لأنّ أطفال درعا تجرّؤوا يوماً على الكتابة على الجدران: “الشعب يريد إسقاط النظام”، ثمّ توالت الاحتجاجات التي واجهت كل صنوف التعذيب. قد يتحقق النصر في لحظة، ولكن تسهم في تبلوره سنوات من العمل السياسي والثوري والشعبي، التي تتراكم وتتضافر لنيل الحرية.

وهكذا، ليس انتقاصاً من أدوار أو سمات أحد من الشخصيات الرئاسية، لكن يجدر التأكيد أنّ ما حصل في واشنطن أتى بعد مسيرة طويلة بدأت في العام 2005. وقد اختلفت الأطر السياسية وموازين القوى كثيراً بعد 7 أكتوبر 2023، والهزيمة التي مُني بها الحزب الأصفر، ووصول شخصية مجازفة مثل الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في واشنطن.

مع رؤية صورة المفاوضات المباشرة الجريئة، تتجلّى أعماق وجذور حركة سياسية وطنية سلمية قادها الرئيس سعد الحريري، والتي لم تكن لتحقق السيادة يوماً لولا تضحياته ومساعيه التي شكّلت ملامح صورة اليوم وأبعادها.

الأكيد أنّ الميليشيا هي الخاسر الأكبر، لأن وهج السلاح المتفلّت تراجع أمام هيبة الدولة. أمّا الرابحون، ففي مقدمتهم الرئيس الحريري، الذي عمل بكل إخلاص لتجنّب الفتنة وحماية أركان الدولة، ويبرز دوره في مستقبل الوطن كما كان له الأثر الأعمق في تاريخه المعاصر. الغد خالٍ من السلاح، والغد سينصف رجالات الدولة الذين عمّدوا قراراتهم بتضحياتهم للحفاظ على هوية الوطن وصيغته.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا