الصحافة

يا شيخ نعيم ما أبلغ هذا الخراب حين يُلقى من فوق منبر..

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

طبعاً، لا بدّ أولاً من شكر الشيخ نعيم قاسم على هذا الكمّ الهائل من الطمأنينة التي أغدقها على اللبنانيين،فمن يملك موهبة تحويل الأنقاض إلى (ملاحم) والتهجير إلى (صبر) والموت إلى (ثبات) يستحق — أقلّه — جائزة في فنّ إعادة تسمية الكوارث. الرجل خرج ليقول لنا، بكل ثقة، إن المشكلة ليست في الحرب، بل في الذين يحاولون إيقافها،ليست في الصواريخ التي فتحت الجبهة من دون سؤال اللبنانيين، بل في الدبلوماسية التي تحاول إغلاقها،ليست في خراب الجنوب، بل في الحكومة التي تحاول إنقاذ ما تبقّى من لبنان.

يا لروعة هذا المنطق،تُفتح البلاد على النار، يُهجَّر الناس، تُدمَّر القرى، ثم يخرج علينا من يشرح أن التفاوض (إذعان) وأن الحلّ هو المزيد من الصمود، أي المزيد من البيوت المهدّمة، والمزيد من الأمهات اللواتي ينتظرن خبراً عن أولادهن.

كأن المطلوب من اللبناني أن يتحوّل إلى مشروع تضحية دائم، فقط لأن قيادةً حزبية قررت أن الوطن ساحة، لا دولة، وأن الناس وقود، لا مواطنين.

والأجمل في الخطاب هو هذه الرهافة الوطنية المفاجئة،فجأةً، صار من صادر قرار الحرب والسلم لعقود، حارساً على سيادة الدولة.

فجأةً، صار من ربط لبنان بمحاور الخارج، يحدّثنا عن الكرامة الوطنية،فجأةً، صار من اعتاد تجاوز المؤسسات، يطالب الدولة بأن (تتشابك الأيدي)معه.

يا لكرم العبارة: يريد من الدولة أن تمسك يده… بعد أن دفعها إلى حافة الهاوية.

الشيخ نعيم يقول إن التفاوض المباشر استسلام،ممتاز،وماذا كان البديل العبقري حتى الآن؟ أن يظلّ اللبناني مشرّداً في مدرسة؟ أن يبقى الجنوب صندوق بريد لصراعات الإقليم؟ أن يستمر الاقتصاد في النزف؟ أن يظلّ لبنان رهينة خطاب (الميدان) وبنت جبيل حرقت قلوب اللبنانيين حين تم استباحتها، و شبانها محاصرين يحملون دمهم على كفوفهم،فيما العالم كلّه يفتّش عن مخارج؟

الحقيقة المُرّة التي لا يريد هذا الخطاب الاعتراف بها، أن الدولة اللبنانية — مهما ضعفت — هي الجهة الوحيدة التي تملك حقّ التفاوض باسم اللبنانيين، لا حزب، ولا ميليشيا، ولا محور.

وهذا ما أكّده رئيس الحكومة نواف سلام مراراً، بأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وأن بيروت وحدها تفاوض باسم لبنان.

ثم نصل إلى الفقرة الأكثر شاعرية: (نحن لا نريد فتنة) طبعاً، ومن يشكّ في هذا؟ فمن غيركم أتقن لعبة شدّ الأعصاب الداخلية ثم قدّم نفسه كحكيمٍ يطفئ الحريق؟ من غيركم يرفع كل يوم خطاب التخوين، ثم يستنكر الانقسام؟ من غيركم يريد من الناس أن تصمت على قرار الحرب، وعلى السلاح الخارج عن الدولة، وعلى تحويل البلاد إلى خط تماس دائم، ثم يقول لهم: انتبهوا، الفتنة خط أحمر؟

اللبنانيون ليسوا بحاجة إلى دروس في السلم الأهلي ممن جعلوا الخوف أسلوب حكم. الناس تفهم جيداً أن الفتنة الحقيقية ليست بين سني وشيعي، ولا بين جار وجاره، بل بين مشروع دولة يريد قانوناً ومؤسسات، ومشروع سلاح يريد إبقاء البلد رهينة الطوارئ.

الفتنة الحقيقية هي أن يعيش شعبٌ كامل تحت سقف قرار لا يملكه،أن يستيقظ على حرب لم يقررها، وأن يُطلب منه بعد ذلك التصفيق (للبطولة) .

وما يثيرل الدهشة المريرة أكثر، هو هذا الإصرار على تسويق الهزيمة كأنها إنجاز بلاغي،(نحن منصورون) ،يقول الشيخ، بينما الجنوب ينزف، والناس تنزح، والدولة تتوسّل هدنة توقف النزف.

أي نصر هذا الذي يُقاس بعدد البيوت المهدّمة؟ أي بطولة هذه التي تحتاج دائماً إلى شعب يدفع الثمن، فيما الخطيب يحتفظ لنفسه بحقّ المنبر فقط؟

اللبناني البسيط لم يعد يعنيه قاموس (الكرّ والفرّ)ولا قصائد (الملاحم) ،هو يريد بيتاً آمناً، مدرسة مفتوحة، مستشفى يعمل، دولة تحميه، ومستقبلاً لا يُكتب على إيقاع البيانات العسكرية.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى خطيب يجمّل الركام، ولا إلى شاعر حرب يكتب قصائد على جدران البيوت المهدّمة.

يحتاج إلى عقلٍ يوقف النزيف، وإلى دولة تستعيد قرارها، وإلى مسؤولية تُقال بوضوح: من فتح النار من دون تفويض الناس، لا يحقّ له أن يحتكر تعريف الوطنية،ومن أوصل البلاد إلى هذه الحافة، لا يملك رفاهية إعطاء دروس في الإنقاذ.

باختصار يا شيخنا، صدّقناك ،فعلاً أنتم ضد الفتنة… لدرجة أنكم لا تتركون للبنانيين وقتاً ليتقاتلوا مع بعضهم، لأنكم مشغولون منذ سنوات بتوريطهم جميعاً في حربٍ لا تنتهي. وهذه، وحدها، ربما أكثر النكات مرارة في تاريخ هذا البلد…..

ديما حسين صلح - جنوبية

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا