لماذا تتوجّس تركيا من الحرب ضدّ إيران؟
فيما تشتدّ ضراوة الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة و "حليفتها المدلّلة" في المنطقة إسرائيل من جهة، ونظام الملالي "رجل الشرق الأوسط المريض" من جهة ثانية، وتجنح لاتخاذ طابع إقليمي، تتعاظم مخاوف الدول المتاخمة لإيران، التي تسعى جاهدة إلى الاضطلاع بدور تفاوضي، أملًا منها بإبعاد "كأس" تمدّد هذه الحرب إلى أراضيها.
أبرز تلك الدول المتوجّسة من أن تطولها شظايا الحرب هي تركيا التي تجاور إيران، وتلعب دورًا سياسيًا مؤثرًا في المنطقة، وضَعها في صلب التطورات العسكرية الإقليمية المتسارعة، نظرًا إلى اعتبارات جمة تأخذها أنقرة في الحسبان، تبدأ بالحسابات الأمنية والسياسية والجيوسياسية، ولا تنتهي بالمخاوف الإنسانية والاقتصادية والسياحية.
سياسيًا، سارع صنّاع القرار في أنقرة، منذ اليوم الأوّل لانطلاق صافرة الحرب، إلى إدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية ضدّ نظام الملالي، وفي الوقت عينه شجبوا أيضًا الردود الإيرانية الانتقامية على الدول الخليجية والعربية. وهنا تسعى أنقرة إلى "إمساك العصا من منتصفها"، لأنها تدرك خير إدراك أن لعب أي دور وسطي، ينطلق من "مقبولية" معيّنة لدى كل الأطراف المتنازعة.
جيوسياسيًا، ترتاب أنقرة من أن تؤدّي الحرب ضدّ إيران إلى إحداث اختلال في موازين القوى الإقليمية، وهي تعتبر أن إنهاك طهران يريح تل أبيب، ما يتيح توسّع النفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط، الذي ينافس النفوذ التركي أصلًا.
أمنيًا، لطالما دفعت تركيا فاتورة باهظة للحروب التي اندلعت في جوارها الاستراتيجي لسنوات خلت، نظرًا إلى وجود امتداد عضوي لبعض الجماعات المسلّحة في الخارج، إلى الداخل التركي. ولعلّ أبرز ما يؤرق العقل الأمني التركي "القضية الكردية"، نظرًا إلى وجود ثقل كردي في إيران، قد يحاول قاطن البيت الأبيض استثماره عسكريًا وميدانيًا في حربه ضدّ آيات الله، إذ سبق أن تحدّثت تقارير عن احتمال قيام فصائل كردية إيرانية، معارضة بطبيعة الحال، بهجوم بري من كردستان العراق في اتجاه شمال غرب إيران بدعم أميركي، في محاولة لإضعاف نظام الملالي على أرض الواقع. وفي حال نجاح أي هجوم للكرد من هذا القبيل في إيران، فإنهم سيلهمون لا محالة كرد تركيا، الذين يشكّلون أكبر أقلية عرقية في البلاد تتراوح نسبة تمثيلها الشعبي بين 15 و20 في المئة من مجموع سكان تركيا.
لا يغيب عن بال حكام أنقرة أيضًا، قضية "حزب العمال الكردستاني". فرغم إعلانه حل نفسه عام 2025، وإنهاء تمرّده المسلّح الذي استمرّ حوالى أربعة عقود، إلّا أن الملف لم يُحلّ جذريًا، ولا يزال يكتنفه غموض كبير، كونه محفوفًا بتحدّيات أمنية وسياسية معقدة، تحتاج فكفكتها، ليس فقط إلى "إعلان حسن نيات"، بل إلى خارطة طريق سياسية واضحة المعالم، تعطي الكرد حقوقًا سياسية وتمثيلية تطمئنهم، بغية إقناعهم بالتخلّي عن السلاح بشكل كامل.
من كلّ ما تقدّم، يُفهم أن الهاجس الأمني يبقى همّ أنقرة الأكبر في ظلّ استمرار الحرب الراهنة ضدّ النظام الإيراني، لذلك حذرت منذ يومها الأوّل من أن ارتداداتها قد تقود إلى حال من الفوضى في المنطقة، ورفضت نظرية تغيير النظام الإيراني من الخارج.
إنسانيًا، ينتاب تركيا القلق من أن يؤدّي طول أمد الحرب إلى التسبّب بموجات لجوء كبيرة إلى أراضيها، ما سيزيد حتمًا من ثقل العبء الاقتصادي على خزينة أنقرة، كون البلاد تستضيف أصلًا ملايين اللاجئين من جرّاء الحروب في المنطقة، ما يضاعف أيضًا الضغوط الاجتماعية.
يبقى أن تركيا باعتبارها دولة سياحية عملاقة، استثمرت مئات ملايين الدولارات في القطاع الحيوي، يطيب لها أن تحافظ على أواصر العلاقات مع جيرانها كافة، كما يهمّها أن تنعم منطقة الشرق الأوسط باستقرار وأمن دائمين، يبقيانها قبلة للسياح العرب والخليجيين والأجانب.
نايف عازار -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|