مَن ينتصر الحزب أم إسرائيل... وهل خسر لبنان الجنوب؟
في ذروة التصعيد العسكري المستمر منذ آذار 2026، يصعب التعامل مع ما يجري في جنوب لبنان بمنطق الانتصارات الحاسمة أو الهزائم الواضحة. الصورة أكثر تعقيداً، وتفاصيلها تتبدّل يومياً، ليس فقط على مستوى الواقع الميداني، بل أيضاً على مستوى الخطاب السياسي والأهداف المعلنة. منذ البداية، رفعت إسرائيل سقف أهدافها بشكل كبير، متحدثة عن نزع سلاح حزب الله وإبعاده إلى ما وراء نهر الليطاني. لكن مع مرور الوقت، بدأ هذا السقف ينخفض تدريجياً، ولم يعد الحديث يدور عن تفكيك كامل، بل عن تقليص القدرات، وإبعاد التهديد المباشر عن الحدود، وربما فرض منطقة عازلة. هذا التراجع لا يعكس بالضرورة ارتباكاً، بل يعكس اصطدام الطموح بالواقع وعدم التعلم من التجارب السابقة: حرب من هذا النوع لا تحسم بسهولة، ولا تدار وفق خطط ثابتة، ولا بوضع اهداف عالية السقف منذ البداية.
ميدانياً، تمتلك إسرائيل تفوقاً واضحاً، خصوصاً في الجو والاستخبارات، وقد نجحت في توجيه ضربات قاسية لبنية الحزب، لكن هذا التفوق لم يتحول إلى حسم. لا تزال الصواريخ تُطلق، ولا يزال القتال مستمراً، ما يعني أن الهدف الأساسي المعلن أي إنهاء التهديد بشكل كامل، لم يتحقق. في المقابل، لا يمكن القول إن الحزب يحقق انتصارات، فالخسائر كبيرة، والبيئة الحاضنة دفعت ثمناً باهظاً من الدمار والنزوح، ولا تزال. هنا تظهر مفارقة أساسية: كل طرف يقيس "النجاح" بمعيار مختلف. إسرائيل تحتاج إلى نتيجة واضحة تبرر الكلفة العسكرية والسياسية، بينما يكفي الحزب أن يصمد ويمنعها من تحقيق أهدافها الكبرى حتى يتم تصوير الامر على انه "انتصار"، من هنا الضياع الحاصل حول توصيف الانتصار وصاحبه، وحول وضع فترة زمنية محددة لنهاية الحرب على الجبهة اللبنانية. أما القول بأنّ الحزب يعوّل على "انتصار داخلي" فهو امر آخر، اذ لا تزال الصورة مزدوجة. من جهة، لا يمكن انكار انه استطاع إعادة بعض المفردات الى عزّها ومنها المقاومة والدفاع عن لبنان (لان الإسرائيليين باتوا داخل الأراضي اللبنانيّة)، كما ان التوغل البري الإسرائيلي سمح للحزب في استعادة جزء من صورته التي فقدها كقوة عسكرية يحسب لها حساب. من جهة أخرى، فإن حجم الدمار والضغط الاقتصادي يفتح باب الانتقادات، خصوصاً من أطراف ترى أنه يتم دفع لبنان مجدداً إلى حرب لا يحتملها، ولم يخترها، ولا قدرة له على مواجهة تداعياتها.
ولكن، في ضوء المعطيات والتطورات الراهنة، يبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقاً بالجنوب نفسه: هل يمكن أن يفقده لبنان فعلياً، أو يتحول إلى منطقة خارج السيطرة؟ حتى الآن، لا يبدو أن هناك سيناريو واقعياً لاحتلال دائم حتى الليطاني. التجارب السابقة تشير إلى أن أي وجود طويل الأمد سيكون مكلفاً وغير قابل للاستمرار، لكن الخطر لا يكمن في الاحتلال المباشر، بل في سيناريو أكثر غموضاً: منطقة مدمّرة، شبه خالية، أو خاضعة لضربات مستمرة، ما يجعل الحياة الطبيعيّة فيها صعبة أو مستحيلة لفترة طويلة. بمعنى آخر، المشكلة ليست في السيادة الشكلية، بل في القدرة الفعلية على إعادة بناء المنطقة وإعادة السكان إليها، وهو امر دونه عقبات كبيرة جداً. وبالتالي، يمكن للجنوب أن يبقى لبنانياً على الورق، لكنه قد يتحول عملياً إلى مساحة هشّة، تعيش على إيقاع التوتر الدائم. في ضوء كل ذلك، يبدو أن المسار الأكثر ترجيحاً هو استمرار الاستنزاف لفترة، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة الوحيدة القادرة على فرض المواقف، للوصول الى وقف إطلاق نار او ما يتم الحديث عنه حالياً "وقف الحروب" في المنطقة كلها. مثل هذا الاتفاق، إن حصل، لن يكون للأسف نهاية للصراع، بل مجرد محطة جديدة تعيد ترتيب التوازنات دون أن تحسمها.
الخلاصة ان ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله بسؤال "من ينتصر؟". الواقع يشير إلى شيء مختلف: إسرائيل تضرب بقوة لكنها لم تفرض شروطها، والحزب يصمد لكنه يدفع كلفة ثقيلة. وبين هذا وذاك، يقف الجنوب اللبناني في منطقة رماديّة، لا هو مفقود بالكامل، ولا هو مستقر بما يكفي ليعود إلى حياته الطبيعية، ويبقى الثمن الأكبر الذي يدفعه الجنوبيون والنازحون من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت.
طوني خوري -النشرة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|