عبدالله: لتحويل النزوح الى مناطق اخرى لأن مؤسساتنا ستصبح عاجزة قريبا
لبنان في مهبّ حربين: ربط إيرانيّ وحسم إسرائيليّ
لم يعد لبنان ساحة مستقلّة في هذه الحرب. باتت المعادلة واضحة: “الحزب” يقاتل ضمن مسار مرتبط بإيران، فيما تقاتل إسرائيل على قاعدة فصل المسارات وحسم ملفّ سلاحه بالكامل. وبين هذين الخيارين، يدفع لبنان أثمان حرب لا يملك قرارها.
في خطاب “الحزب” وجهان: وجه يتحدّث عن استعداد للتفاوض وحصر السلاح ضمن ما يُسمّى استراتيجية وطنيّة، مقابل توطيد الأمن وإعادة إعمار الجنوب، وهو ما عبّر عنه النائب محمّد رعد في مقاله الأخير، ووجه آخر يتحدّث عن معركة كربلائيّة لا تفاوض فيها إلّا في الميدان.
في الواقع، كلا الوجهين صحيح، لكنّ لكلٍّ منهما زمنه. أمّا في هذه المرحلة، فالموقف الأكثر واقعيّة يتمثّل في أن لا تفاوض خارج الميدان، ولا وقف للحرب قبل وقف الحرب على إيران. غير أنّ لهذه المعادلة مخاطر كبيرة على لبنان، وعلى بيئته الوطنيّة عموماً، والشيعيّة خصوصاً. عليه، الرهان اليوم على مكاسب الغد لا يمكن وصفه إلّا بالقِمار.
طهران و”الحزب”: ربط المسارات
كان كلام رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف واضحاً، وكذلك تصريحات قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني عن “وحدة الساحات” وربط الجبهات. لا تخفي إيران، إذن، ربطها الساحة اللبنانيّة بمصير الحرب التي تخوضها.
بالتوازي، تشير كلّ المعطيات المرتبطة بحركة “الحزب” في لبنان إلى رفضه التفاوض في المرحلة الراهنة، إذ إنّ الأولويّة هي للميدان ولمآلات المواجهة المرتبطة بإيران، على أن يُبحث في كلّ شيء لاحقاً، كما يقول أحد المقرّبين من “الحزب”.
لذلك فشلت كلّ المبادرات التي طُرحت سابقاً، سواء تلك التي حاولت الدولة اللبنانيّة إطلاقها عبر تشكيل وفد للتفاوض المباشر مع إسرائيل، أو المبادرات الدوليّة التي وصلت من مصر وألمانيا وقبرص، وعبر المنسّقة الخاصّة للأمم المتّحدة جانين بلاسخارت.
لذلك أيضاً، عاد الرئيس نبيه برّي ليؤكّد معارضته للتفاوض المباشر مع إسرائيل، مشدّداً على أن لا تفاوض قبل وقف الحرب وتنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار بكلّ بنوده، بدءاً من تثبيت الحدود وصولاً إلى الانسحاب الكامل، وإلّا تبقى مشروعيّة استمرار “الحزبّ” في القتال قائمة.
بناءً عليه، لا مبادرات ولا مساعي جدّيّة في الوقت الراهن، بعدما عادت الوفود الدوليّة بأوراق عامّة وبنود مبدئيّة لا تتجاوز إطار “تقطيع الوقت”، بانتظار ما ستؤول إليه الحرب في إيران ومصير النظام فيها.
حتّى ذلك الحين، سيبقى رهان “الحزب” على عدم تخلّي إيران عنه، ويستمرّ في إصدار بيانات عن إطلاق صليات الصواريخ، بحيث تتحوّل كلّ مواجهة، حتّى لو بدت انتحاريّة في مواجهة الدبّابات الإسرائيليّة، إلى جزء من رواية “الصمود والانتصار”. ستُستخدم أيّ خسائر تلحَق بالقوّات الإسرائيليّة أو بأيّ منشأة داخل إسرائيل وقوداً لمواصلة القتال والرهان على الصمود، إن لم يكن على تحقيق نصر.
إسرائيل: الحرب مستمرّة ولا لربط المسارات
في المقابل، تفصل إسرائيل بشكل كامل بين ملفّ لبنان وملفّ إيران. أيّ اتّفاق محتمل بين واشنطن وطهران لن ينسحب تلقائيّاً على الساحة اللبنانيّة. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو متمسّك بموقف واضح: توسيع المنطقة العازلة جنوباً انطلاقاً من أن لا نهاية للحرب إلّا بنزع سلاح “الحزب” بالكامل، سواء في جنوب الليطاني أو شماله وصولاً إلى البقاع بوسطهِ وشماله..
عليه، يعني ربط “الحزب” مساره بإيران عمليّاً استمرار الحرب الإسرائيليّة على لبنان، حتّى لو امتدّت لأشهر. تشير مصادر دبلوماسيّة إلى أنّ اعتقاد “الحزب” بأنّ انتهاء الحرب في إيران سيؤدّي تلقائيّاً إلى انتهاء الحرب في لبنان هو تقدير مخطئ.
في الوقت نفسه، تبدو واشنطن، المنشغلة بأولويّاتها الاستراتيجيّة المرتبطة بأمن الممرّات البحريّة والطاقة العالميّة، غير مستعدّة لممارسة ضغط حاسم على إسرائيل في ما يتعلّق بالملفّ اللبنانيّ.
تضيف المصادر أنّ “الحزب لا يزال يملك خيار الحدّ من خسائر متلاحقة”، تماماً كما كان يملك في بداية “حرب الإسناد” خيار الانسحاب من جنوب الليطاني، أو لاحقاً خيار تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار مقابل البنود التي كانت مطروحة.
بعد حرب عام 2024 لم يكن الإصرار الدوليّ على تنفيذ الدولة اللبنانيّة لبنود الاتّفاق، من دون مراوغة، وليد الصدفة. لم يكن تهويلاً التحذير من حرب أكثر عنفاً. وها هو لبنان اليوم في قلب العاصفة، من دون أيّ بصيص أمل واضح للخروج منها.
الأخطر أنّ الآتي قد يكون أشدّ قسوة، في حال استمرار ما تصفه الكواليس الدبلوماسيّة بسياسة “الانتحار”. لن تنسحب إسرائيل، لن توقف حربها أو تدميرها للقرى الجنوبيّة، ولن تفتح الباب أمام عودة الجنوبيّين إلى أرضهم، قبل تحقيق هدفها المعلن: القضاء على سلاح “الحزب” وتحويله إلى حزب سياسيّ. وهو قرار يبدو، حتّى الآن، غير قابل للتراجع عنه، في ظلّ رغبة إسرائيليّة بإقفال ملفّ لبنان بشكل نهائيّ.
لبنان بين مسارين
بين هذين المسارين يقف اللبنانيّون: يُقتلون، يُهجّرون، ويواجهون أزمات اجتماعيّة واقتصاديّة خانقة، مع ارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة واتّساع رقعة الفقر. لا تبدو الحرب هذه المرّة متّجهة إلى نهاية شبيهة بسابقاتها، حين كان يُفرض اتّفاقٌ يوقف النار من دون حسم. النهاية مختلفة هذه المرّة: إمّا أن تؤسّس لاستقرار طويل يفتح الباب أمام إعادة الإعمار والنهوض الاقتصاديّ، وإمّا أن تقود إلى مرحلة أعمق من الخراب والانهيار.
جوزفين ديب - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|