الصحافة

بيروت بين فكَي دمشق وتل أبيب: التفاف يكسر الظهر

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تحولت الحدود اللبنانية السورية إلى مسرح لعملية "جراحية" كبرى تتقاطع فيها أدوات الحصار من جهتين متقابلتين. فبينما تنشغل الجبهة الجنوبية بنيران المواجهة المباشرة، يبرز خلف الستار مشهد هادئ ظاهرياً لكنه يحمل بذور تحول استراتيجي قد يغير وجه المنطقة لسنوات. ففي دمشق، "لغة حزم" جديدة لم نعهدها تجاه الحليف، وفي تل أبيب، "شهية قضم" جبلية تطمح لكسر ظهر البقاع.

في الخط الأول، تبدو الرسائل القادمة من خلف الحدود السورية مغايرة تماماً لأدبيات "وحدة الساحات". منذ أشهر، بدأ الجيش السوري ومجموعات مرتبطة بالنظام الجديد بعملية إعادة تموضع واسعة، لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل حشداً عسكرياً هدفه المعلن "حماية أمن البلاد من أي ارتداد عسكري" ناتج عن صراع حزب الله.

التطور الأبرز تمثل في إعلان وزارة الدفاع السورية عن كشف وإغلاق أنفاق غير شرعية تربط البلدين، وتحديداً في ريف حمص الغربي وعسال الورد. هذه الخطوة، وإن وُصفت بأنها تستهدف "التهريب"، إلا أنها في العمق السياسي تقطع "أوردة الحياة" السرية التي اعتمد عليها الحزب لسنوات. دمشق اليوم تتحدث لغة "الدولة" التي تضبط حدودها وتنسق أمنياً مع الجيش اللبناني، مما يوحي بقرار استراتيجي بعدم السماح باستخدام أراضيها منصةً أو ممراً، وهو ما يضع خطوط إمداد السلاح، من صواريخ "كورنيت" وقطع المسيّرات، تحت مجهر الرقابة السورية الصارمة لأول مرة.

بالتوازي مع "الانضباط" السوري، يتحرك الخط الثاني من جهة إسرائيل التي بدأت تخرج من "عنق زجاجة" التماس التقليدي في الجنوب لتختبر محاور الالتفاف المرتفعة. تنفيذ وحدة كوماندوز جبلية لعملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ وصولاً إلى مزارع شبعا، ليس مجرد تمشيط استخباري، بل هو "بروفا" لمشروع عزل جغرافي كامل.

الهدف الإسرائيلي بات واضحاً: استغلال الأفضلية الجغرافية لقمم جبل الشيخ للإشراف ناريّاً على البقاع الغربي. هذا التوغل، في حال توسّعه، يهدد بقطع التواصل الجغرافي بين الجنوب والعمق البقاعي، مما يعني إطباق الحصار على مقاتلي الحزب في مثلث الخيام دبين وإبل السقي. إنها عملية "خنق ناعم" للجغرافيا، تسعى عبرها تل أبيب للوصول إلى ضفاف الليطاني ليس فقط بالدبابات، بل بقطع طرق الإسناد التي تمر عبر المرتفعات الوعرة.

المفارقة الميدانية اليوم تكمن في أن حزب الله، الذي يقاتل في البياضة وشمع والخيام لمنع تقدم الآليات، يجد نفسه أمام "واقع ميداني جديد" يتشكل خلف ظهره. فمن جهة، هناك جيش سوري يعيد رسم حدوده بحزم الدولة المترقبة، ومن جهة أخرى، هناك عدو يحاول الهبوط من قمم الجبال لقطع شريان البقاع.

وفي ظل صمت دمشق الرسمي الذي يفسره البعض بالنأي بالنفس وتفادي التورط في نزاع إقليمي، يبقى السؤال: هل ينجح هذا التنسيق غير المباشر، عن قصد أو غير قصد، في جعل البقاع والجنوب "جزيرتين" معزولتين عن أي دعم خارجي؟

الشرق الأوسط الذي تحدث نتنياهو عن "تغيير وجهه" يبدأ من هذه التلال؛ حيث الأنفاق تُردم في سوريا، والقمم تُحتل في جبل الشيخ، والنتيجة واحدة: حصار الجغرافيا قبل كسر العسكر.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا