سوريا ...هجوم كبير على السقيلبية ذات الغالبية المسيحية بريف حماة بعد حادثة تحرش بفتيات (فيديو)
لبنان بعد الحرب أمام سيناريوهين مصيريين
في الثاني من آذار، حين انفجرت السماء فوق بيروت والجنوب والبقاع، لم يكن أحد في لبنان يتوقع أن يكون هذا اليوم هو بداية فصل جديد تماماً في تاريخ البلد. ما بدا كردّ فعل على ضربات بعيدة في إيران، سرعان ما تحوّل إلى مواجهة مفتوحة على الحدود الجنوبية، ثم إلى توغل بري، ثم إلى تهجير جماعي لم يشهد له لبنان مثيلاً منذ حرب تموز 2006.
بعد أكثر من أربعة أسابيع، ومع تجاوز عدد الشهداء الـ1100 وعدد النازحين المليون نازح، لم يعد السؤال الذي يشغل اللبنانيين كيف ستنتهي هذه الحرب؟ بل سؤال أكثر إلحاحاً وأعمق أثراً: «ماذا بعد؟».
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق. في كل اتجاه، ثمة سيناريوهات متقاطعة، بعضها يلوح باحتلال جديد، وبعضها يهدّد بتفكيك داخلي، وبعضها الآخر قد يفضي إلى تطبيع لم يكن في الحسبان. وفي كل الحالات، يبدو أنّ البلاد لن تعود كما كانت.
السيناريو الأول الذي ترسمه التصريحات الإسرائيلية بلا مواربة، هو أن تصل قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى خط يمتد من رأس الناقورة حتى جبل الريحان، وأن يصبح نهر الليطاني، ذلك الشريان الذي ظلّ لعقود خطاً أحمر، الحدود الفعلية الجديدة بين لبنان والأراضي المحتلة.
فوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتش يقول إنّ قواته لن تغادر قبل أن تختفي «الصواريخ والإرهاب»، حسب تعبيره. ووزير المال المتطرّف بسلئيل سموتريتش يعلن أنّ الليطاني يجب أن يصبح «حدود إسرائيل الجديدة مع لبنان». أي أنّ نحو 10 في المئة من مساحة لبنان، بما فيها مدينة صور القديمة، ستتحول منطقة خاضعة لاحتلال إسرائيلي قد يطول.
في هذا السيناريو، لا تكون الخرائط وحدها هي التي تتغيّر. الناس أيضاً يُجبرون على تغيير أماكنهم. اليوم، أكثر من مليون لبناني – معظمهم من الشيعة – نزحوا من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. أوامر الإخلاء الإسرائيلية لا تصدر إلاّ للقرى ذات الغالبية الشيعية، بينما تُترك القرى المسيحية والسنّية وشأنها. وهذا النزوح القسري قد يصبح دائماً.
أما على الصعيد السياسي، وفي حال انتصرت اسرائيل، فإنّ الصفقة الأكبر التي تريدها واشنطن وتل أبيب ستتجاوز حدود الجنوب. هناك مسار موازٍ للضغط العسكري، يجري في الغرف المغلقة، هدفه دفع لبنان نحو التطبيع مع إسرائيل ضمن إطار «اتفاقيات أبراهام». الوساطات الأميركية والفرنسية تتواصل يومياً، والأوراق المطروحة تتضمن نزع سلاح «حزب الله» مقابل دعم دولي هائل لإعادة الإعمار، بل قد تصل إلى دفع لبنان إلى الاعتراف بإسرائيل. ومن يتبنون هذا الطريق يقولون إنّ لبنان المنهار اقتصادياً بحاجة إلى هذه الصفقة لكي يتنفس. ويرون أنّ التطبيع قد يفتح أمامه أسواقاً واستثمارات خليجية وعالمية، ويدمجه في نظام اقتصادي إقليمي جديد. لكن من يعارضونه يتساءلون: هل يمكن فعلاً إلحاق هزيمة بـ«حزب الله»؟ وهل ستقبل طهران بتفكيك أقوى حلفائها الإقليميين بهذه السهولة؟
هنا تكمن المفارقة: حتى لو انتصرت إسرائيل، هل يمكنها فعلاً القضاء على «حزب الله»؟ التجارب السابقة تقول إنّ الإجابة معقّدة. ففي غزة، بعد أكثر من عامين من الحرب، لم تستطع إسرائيل تفكيك حركة «حماس» كلياً، على رغم من أنّ غزة أصغر بكثير وأكثر عزلة من لبنان. و»حزب الله» وحركة «أمل» وبيئتهما اليوم جزء أساسي من النسيج اللبناني، له امتداداته الاجتماعية والسياسية، وليسوا مجرد جماعة مسلحة يمكن قصفها حتى الزوال.
قد يضعف هذا الفريق عسكرياً، قد يفقد جزءاً من ترسانته، لكن جذوره في المجتمع عميقة. ولهذا، فإنّ أي انتصار إسرائيلي قد لا يكون نهاية القصة، بل بداية فصل جديد من الاستنزاف.
وفي الجانب الآخر من المشهد، إذا طالت الحرب والخسائر الإسرائيلية تتعاظم يوماً بعد يوم. فالمقاومة لا تزال تطلق 150 صاروخاً يومياً، وإنّ الدبابات التي تتوغل في القرى الحدودية تتعرّض لمكامن محكمة، وصواريخ المقاومة تصل إلى نهاريا وطبريا وتل أبيب وضواحيها، وعشرات المستوطنات في شمال إسرائيل تتحول مدن أشباح.
هذا هو سيناريو الفشل الإسرائيلي، أو على الأقل عدم تحقيق الأهداف الكبرى. في هذه الحالة، قد تضطر إسرائيل إلى الانسحاب من «المنطقة العازلة» التي تحاول فرضها، أو قد تبقى فيها لكن بسيف دائم مصلت فوق رأسها. ما يحدث حينها سيكون دراما مألوفة في التاريخ اللبناني. ففي عام 2000، عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من الجنوب بعد 22 عاماً من الاحتلال، عاد «حزب الله» منتصراً، وازدادت شعبيته، وعزز نفوذه السياسي والعسكري. وفي عام 2006، رغم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، خرج الحزب من الحرب مرفوع الرأس، وبات شريكاً أساسياً في القرار الوطني.
وإذا تكرّر السيناريو اليوم، فسيخرج «حزب الله» من المعركة أقوى مما دخلها، على الأقل من الناحية المعنوية. وسيعيد طرح نفسه كحامٍ للبنان ضدّ الاحتلال، متجاوزاً بذلك الانتقادات التي وجّهت إليه بسبب حروبه.
لكن حتى في هذه الحالة، لن يكون المشهد الداخلي هادئاً. فالانقسام القائم اليوم بين السلطة و»الثنائي الشيعي»، والذي وصل إلى ذروته بقرار الحكومة طرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني، وردّ «الثنائي» بتعليق المشاركة في جلسات مجلس الوزراء، لن يختفي بعد الحرب. بل قد يتصاعد إذا شعرت القوى الأخرى أنّ «حزب الله» يعود ليعزز حضوره كما فعل عام 2008، حين انزلقت البلاد إلى مواجهة مسلحة قصيرة بسبب القرار الحكومي المتعلق بشبكة اتصالات المقاومة.
في هذا السيناريو أيضاً، تبقى إيران لاعباً أساسياً. صحيح أنّ سوريا الجديدة أغلقت الحدود أمام تدفق الأسلحة إلى لبنان، لكن طهران أكّدت مراراً أنّ أي حل للحرب ضدّها يجب أن يشمل الجبهة اللبنانية. وهذا يعني أنّ دعمها لـ»حزب الله» لن يتوقف بسهولة، وأنّ المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي على الأراضي اللبنانية.
على أنّه أياً تكن نتيجة الحرب، هناك حقائق قاسية سيواجهها اللبنانيون جميعاً، بغض النظر عن انتماءاتهم وهي:
ـ الأزمة الإنسانية، حيث انّ هناك أكثر من مليون شخص نزحوا من منازلهم، كثيرون منهم فقدوا كل شيء. وفي حال احتلت إسرائيل منطقة جنوب الليطاني، فإنّ نزوحهم سيطول، لأنّ العودة إلى المنازل المدمّرة قد لا تكون ممكنة لسنوات.
ـ الانهيار الاقتصادي المتسارع، البنية التحتية المدمّرة في الجنوب والضاحية والبقاع تحتاج إلى مليارات الدولارات. والدولة اللبنانية التي أعلن البنك الدولي انهيارها المالي قبل 6 سنوات، لا تملك اليوم حتى ثمن إعادة بناء جسر واحد. وإذا لم تأتِ أموال إعادة الإعمار من الخارج، فستطول معاناة اللبنانيين.
ـ الانقسام السياسي الذي قد يتحول إلى نزاع مفتوح. الأجواء اليوم مشحونة كما لم تكن منذ سنوات. ففريق من السياسيين يصف قرار طرد السفير الإيراني بأنّه «واجب وطني»، بينما يصفه «الثنائي الشيعي» بأنّه قرار في غير مكانه. كل طرف يتهم الآخر بولاءات خارجية، والخطاب يزداد حدّة يوماً بعد يوم.
وفي ضوء كل هذه المعطيات يقف لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
ـ الأول: أن يواصل مسار الانهيار، وأن يبقى النزوح ويتعمّق الانقسام، وأن يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة، وأن تظل البلاد رهينة للنزاعات الإقليمية بلا حل. وفي هذه الحال، لن تكون الحرب الحالية نهاية المأساة، بل ستكون بداية فصل أكثر دموية في تاريخ لبنان.
ـ الثاني: أن تجد الدولة نفسها قادرة على استعادة سيادتها الكاملة. وأن يتوافق اللبنانيون على صيغة جديدة تنظّم دور السلاح وعلاقات لبنان الخارجية. وأن توفر الرعاية الدولية إطاراً لإعادة الإعمار، لا يفرض شروطاً مسبقة تعيد إنتاج الانقسام. هذا الخيار يحتاج إلى قيادة وطنية حقيقية، وإرادة سياسية استثنائية، وتضامناً عربياً ودولياً صادقاً.
ما يبدو واضحاً هو أنّ لبنان الذي سينتهي به المطاف بعد هذه الحرب، لن يكون لبنان ما قبل الثاني من آذار 2026. فالدمار الهائل، والنزوح الجماعي، والانقسامات الحادة، كلها ترسم ملامح مرحلة جديدة، لكن تبقى هويتها غير محسومة بعد.
ربما يكون على السلطة أن تعمل على تحقيق التوازن الصعب بين رفض الاحتلال ومعالجة قضية السلاح عبر الحوار. لكن مدى نجاحها في هذه المهمّة سيتوقف على تطورات الميدان أولاً، ثم على الدعم الذي ستحصل عليه من الداخل والخارج.
في الليل، حين تنقطع الكهرباء عن معظم المناطق، وتسمع في بيروت دوياً بعيداً يأتي من الجنوب، يتذكر اللبنانيون أنّ هذا الوطن الصغير عاش حروباً كثيرة من قبل، وفي كل مرّة كان ينهض من تحت الركام. ولكن السؤال اليوم: هل سيستطيع النهوض هذه المرّة أيضاً، أم أنّ الركام هذه المرّة أثقل من أن يُرفع؟
الأيام، بل الأسابيع والأشهر المقبلة، وحدها كفيلة بتقديم الإجابة. في وقت يبدو لبنان وكأنّه يقف على أعتاب منعطف تاريخي، قد يكون الأخطر منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل أربعة عقود.
طارق ترشيشي - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|