مسؤول أميركي: إصابة 12 جنديا أميركيًّا في هجوم إيراني على قاعدة في السعودية
لا يا فيصل وقماطي الشعب اللبناني لا يريد لا الإيراني ولا غيره أن يبقى عنده
مرّة جديدة، يخرج علينا من يكتشف فجأة أنه الناطق الرسمي باسم (الشعب اللبناني)وكأن هذا الشعب المسكين، بكل طوائفه وتناقضاته وتاريخه المثقل، كان فقط ينتظر إطلالة تلفزيونية ليعرف ماذا يريد.
يا للبساطة المدهشة،تختصر بلداً كاملاً بجملة، وتوزّع رغباته كما تُوزّع بيانات حزبية، الحقيقة الوحيدة في هذا المشهد أن من يتحدث بهذه الخفة، إما لا يعرف لبنان، أو يعرفه جيداً لكنه يصرّ على تجاهله.
لبنان، يا سادة، و يا أيتام البعث ليس جمهوراً في مهرجان، ولا قطيعاً سياسياً يُساق خلف ميكروفون،هو بلد جُرّب فيه كل شيء،من شعارات (الأمة) إلى (المقاومة) إلى (المحاور) وكانت النتيجة دائماً واحدة،خراب على القياس.
في عام الحرب الأهلية اللبنانية ١٩٧٥ كان كل فريق مقتنعاً أنه يملك الحقيقة المطلقة، وأنه مدعوم من الخارج (لمصلحة لبنان طبعاً) النتيجة؟ خمسة عشر عاماً من الدم، وكل فريق خرج منها ليكتشف—متأخراً جداً—أن الخارج لا يقاتل لأجلك بل على أرضك.
ثم جاءنا عرض جديد من السلسلة نفسها في حرب لبنان ٢٠٠٦ ،قرار كبير، شعارات أكبر، وبلد صغير يدفع الفاتورة،قيل يومها إن ما جرى هو (انتصار إلهي)وربما كان كذلك في نشرات الأخبار، لكن على الأرض كان هناك آلاف البيوت المهدمة، واقتصاد يتهاوى، وشعب يُطلب منه أن يصفق وهو يعدّ خسائره.
والمفارقة أن أحداً لم يسأل هذا (الشعب) إن كان يريد تلك الحرب أصلاً.
وإذا لم تكفِ تلك الدروس، جاء ٧ أيار ٢٠٠٨ ليقدّم نسخة داخلية من المنطق نفسه،حين لا يعجبك قرار الدولة، ببساطة ينزل السلاح إلى الشارع ويعيد (تصحيح المسار) .
يومها أيضاً، لم يكن هناك (شعب لبناني واحد)بل شعوب خائفة من بعضها، وكل طرف مقتنع أنه يمارس حقه الطبيعي في فرض رؤيته على الآخرين، طبعاً تحت عنوان (حماية الوطن).
واليوم، نصل إلى النسخة الأحدث من هذا المسلسل، حيث يُطلب من اللبنانيين أن يقتنعوا بأن بقاء السفير الايران في بيروت هو مطلب وطني جامع، وأن من يعترض إنما يعترض على (الشعب)،حسناً، إذا كانت المسألة بهذه البساطة، فلماذا لا نفتح المزاد؟ لماذا لا يخرج كل مكوّن لبناني ليطالب بسفيره المفضّل ودولته الراعية؟ ربما نصل إلى حل مبتكر،لبنان اتحادي… ولكن بين سفارات.
التاريخ القريب، لمن يحب الانتقاء، لا يرحم أيضاً،عندما قرر حزب الله الانخراط في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد، لم يسأل أحداً من اللبنانيين إن كانوا يرغبون بأن يصبح بلدهم ملحقاً بساحة أخرى،يومها رُفعت الشعارات الثقيلة(حماية محور المقاومة) ،(لن تُسبى زينب مرتين) و(مكافحة الإرهاب)—تسميات فضفاضة كانت، بالمصادفة أو ربما بغيرها، لا تنطبق إلا على طرف واحد،والنتيجة؟ مزيد من الانقسام الداخلي، اتساع فجوة لبنان مع محيطه العربي، وتحميل بلد هش تبعات حرب لم يخترها.
واليوم، بعد تبدّل الموازين في سوريا وسقوط بشار الاسد نفسه وتولي الرئيس أحمد الشرع رئاسة سوريا يصبح السؤال، بكل وقاحة منطقية، مشروعاً ،إذا كان من حق فئة أن تربط لبنان بإيران، فلماذا يُمنع على غيرها أن تربطه بغيرها؟ أم أن التبعية مقبولة فقط حين تكون مسمّاة (مقاومة)ومحرّمة حين تكون… غير ذلك؟
المشكلة، طبعاً، ليست في اسم الدولة—سواء كانت إيران أو غيرها—بل في مبدأ التبعية نفسه. الدولة لا تُبنى على ولاءات مزدوجة، ولا تستقيم حين يكون قرار الحرب والسلم مُصدَّراً إلى الخارج ومُعاد استيراده على شكل (واجب وطني)،السيادة هنا ليست قصيدة تُلقى عند الحاجة، بل قاعدة وجود،إما قانون واحد، قرار واحد، وسقف واحد لجميع اللبنانيين، أو مسرح مفتوح تُوزّع فيه الأدوار بحسب خطوط الإمداد.
في خضم الحرب الإقليمية الحالية، حيث تتواجه إيران وإسرائيل على أكثر من جبهة، وتلوّح الولايات المتحدة بثقلها العسكري، يدخل الحزب إلى المعركة، وكأن لبنان يملك ترف اختيار الحروب. النتيجة معروفة سلفاً،دمار يُعاد تدويره، وخطاب يُعاد تسويقه، وشعب يُطلب منه مرة جديدة أن يقتنع أن كل ما يحدث هو باسمه.
ثم نصل إلى الفقرة الكوميدية السوداء،التهديد بـ(الحساب بعد الحرب)،حساب من؟ ومن سيحاسب من؟ هل نحن أمام دولة بمؤسسات، أم أمام شركة خاصة قررت أن تفتح دفتر ديون مع مواطنيها؟ من أعطى أي جهة حق توزيع صكوك الوطنية وسحبها؟ وإذا كان الانتماء يُقاس بمدى القبول بالتبعية، فربما المشكلة ليست في (الشعب) بل في تعريف الوطنية نفسه.
الحقيقة، بكل بساطتها التي لا تعجب أحداً، هي التالية،لبنان لا يُختصر، ولا يُمثّل بجملة، ولا يُدار من خارج حدوده.
إما أن يكون وطناً لجميع أبنائه، بتناقضاتهم واختلافاتهم، تحت سقف دولة واحدة، أو يبقى ساحة يتناوب عليها اللاعبون، وكل مرة تحت شعار جديد أكثر بلاغة وأقل صدقاً.
لذلك، لا يا فيصل، و يا قماطي و حجازي الشعب اللبناني—هذا الذي تتحدثون باسمه بسهولة لافتة—لا يريد وصاية أحد، لا إيرانية ولا غيرها،هو فقط يريد أن يُترك وشأنه، أن ينجو من عبقرية من يقررون عنه، وأن يعيش في دولة لا تتحول كل بضع سنوات إلى مسرح لتجارب الآخرين… حتى لو اضطررنا، كل مرة، إلى تذكير (الناطقين باسمه) بهذه الحقيقة البدائية….
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|