لقاء بين "الوطني الحر" و"التقدمي" لضرورة الحفاظ على الاستقرار
حرب إقليمية بتداعيات اقتصادية عالمية
كتب العميد الدكتور غازي محمود:
تتواصل الحرب التي تشنها كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران للأسبوع الثالث على التوالي، في وقت تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى نزاع إقليمي مفتوح تتجاوز تداعياته حدود الأطراف المنخرطة فيه بشكل مباشر.
وما يزيد من خطورة هذا التصعيد طبيعة الرد الإيراني، الذي بات يستهدف مرافق حيوية في دول الخليج العربي، ولا سيما المطارات والمنشآت اللوجستية، الأمر الذي انعكس اضطرابًا ملحوظًا في حركة الملاحة الجوية والبحرية، وأدى إلى اختلالات متزايدة في شبكات النقل وسلاسل الإمداد الإقليمية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية أوسع على مستوى العالم.
من الأهداف الى التداعيات
وتتعاظم المخاوف في المرحلة الراهنة من احتمال توسّع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت أكثر حساسية، وفي مقدمها مراكز تحلية المياه ومنشآت النفط والغاز، التي تمثل عصب الاقتصاد في دول الخليج ومصدرًا أساسيًا لإمدادات الطاقة العالمية. ذلك أن أي ضرر قد يلحق بهذه المنشآت لن يقتصر أثره على الدول المعنية فحسب، بل سيترك تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه منطقة الخليج في تزويد العالم بالنفط والغاز.
وكان من المفترض أن تكون الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل قد اخذتا في الحسبان تداعيات هذه الحرب قبل خوض غمارها. فإلى جانب تحديد أهداف الحرب، لا بد من تقدير ما قد يترتب عليها من مخاطر وتداعيات على المنخرطين فيها، وعلى الدول المجاورة، بل وعلى دول العالم. الأمر الذي يدعو إلى البحث في الأسباب التي دفعت إلى شن هذه الحرب التي تهدد الاستقرار العالمي وتُنذر باندلاع أزمة اقتصادية قد تعجز دول العالم عن تحمل تبعاتها.
الأسباب المباشرة للحرب وأهدافها
من نافل القول أن الأسباب المباشرة للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، تكمن في اعتبار برنامجها النووي تهديداً للسلم العالمي، فضلًا عن برنامجها الصاروخي الباليستي والفرط صوتي الذي يهدد الإقليم برمته ولا سيما إسرائيل، إضافة إلى تنامي قدراتها البحرية العسكرية، ناهيك عن تحالفاتها الإقليمية وشبكات الأذرع الذين يشكلون رأس حربة في تهديد إسرائيل ومواجهة مصالح الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.
غير أن هذه الحرب لا تقتصر على كبح البرنامج النووي الإيراني أو الحدّ من عمليات تخصيب اليورانيوم وضرب مشروعها النووي والصاروخي، وغيره من أسباب قوة إيران، بل تتجاوز ذلك إلى تقويض قدرتها على توسيع نفوذها الإقليمي واستخدام أدوات القوة خارج حدودها، إصافة إلى الحؤول دون تهديدها أمن الملاحة البحرية، ولا سيّما عبر مضيق هرمز.
إيران والتعاون مع روسيا والصين
وجدير بالذكر أن مساعي تحجيم الدور الإقليمي لإيران لا تنفصل في بعدها الدولي عن سياق الصراع على إعادة تشكيل النظام الدولي وتوازناته. فعلى الرغم من منظومة العقوبات والعزلة التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية ومعها الدول الغربية على طهران، إلا أنها في الواقع لا تعد معزولة بالمعنى الجيوسياسي. فقد نجحت إيران خلال السنوات الأخيرة في تعزيز مستوى تعاونها الاستراتيجي مع روسيا، وتعميق شراكاتها مع الصين، خاصة في إطار اتفاقية التعاون طويل الأمد الموقعة عام 2021.
الأمر الذي جعل من إيران جزءًا من القوى التي تسعى إلى تقليص الهيمنة الغربية على مراكز صنع القرار الدولي، وعلى ممرات الطاقة والتجارة العالمية. وفي ظل ما تواجهه من حرب "غير متكافئة"، تعتمد طهران على توظيف مزاياها الجيوسياسية، وفي مقدمتها موقعها المتحكم بمضيق هرمز، إلى جانب قدراتها الصاروخية، لتحويل مسار المواجهة من نطاقها العسكري التقليدي إلى بعد اقتصادي، عبر التأثير في تدفّقات الطاقة العالمية، ومن خلاله على الاقتصاد الدولي برمته.
العين على الصين
وفي الوقت الذي تستهدف فيه الضربات الأميركية-الإسرائيلية القدرات العسكرية والاقتصادية لإيران، يتّضح أنّ الاهتمام الاستراتيجي للولايات المتحدة يتجه بدرجة كبيرة نحو الصين. إذ تندرج المواجهة مع إيران، ضمن مواجهة أوسع ترمي إلى كبح وتيرة الصعود الاقتصادي الصيني، وتأكيد قدرة واشنطن على إعادة فرض نفوذها داخل بنية النظام الدولي.
ومن هذا المنطلق، تستهدف هذه الحرب عرقلة تدفّق النفط الإيراني إلى الصين، الخصم الاستراتيجي لواشنطن، سيما وأنه يتم عبر آليات التسعير التفضيلي التي تتيح للصناعة الصينية مزايا تنافسية ملموسة، من حيث خفض تكاليف الإنتاج، والحفاظ على معدلات تضخم منخفضة، وتعزيز قدرة الصين على التكيف خلال فترات الانكماش الاقتصادي العالمي. وبذلك، تندرج هذه السياسات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى كبح مسار النمو الاقتصادي الصيني والحد من متابعة تمدده في النظام الاقتصادي الدولي.
تداعيات لا تستثني أحداً
إن التهديدات التي تمارسها إيران على أمن الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع استهدافها المنشآت الحيوية في دول الخليج العربي، فضلاً عما تتعرض له بنيتها التحتية من أضرار جراء الهجمات العسكرية التي تستهدفها، تُسهم مجتمعةً في تصاعد حدّة التوترات الإقليمية، وما يرافقها من ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن والتأمين. وتؤدي بالتالي إلى زيادة كلفة إمدادات الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، بالنسبة إلى الدول المستوردة، من أوروبا الى الصين، مما يدفع هذه الدول إلى البحث عن مصادر إمداد بديلة.
غير أن هذه البدائل لا يمكن تأمينها بصورة فورية، كما أن المصادر البديلة، في ظلّ بيئة تتّسم بارتفاع المخاطر، قد لا تتمتع بالمزايا ذاتها من حيث الكلفة أو الاستدامة أو مستوى الموثوقية. والحاجة إلى هذه البدائل لا تقتصر على الصين فحسب، بل تتسع لتشمل مروحة واسعة من دول العالم، خاصةً وأن %20 من إمدادات الطاقة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يؤكد خطورة تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز على منظومة أمن الطاقة العالمي ومضاعفاته الاقتصادية.
الخلاصة
تُظهر ارتدادات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أن تداعياتها الاقتصادية تتعدى الأطراف المستهدفة والإطار الجغرافي الذي تدور فيه، كما لا تقتصر على إيران أو شركائها الاقتصاديين، لا سيما الصين، بل تتوسع لتطال الاقتصاد العالمي برمته. فاضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واختلال سلاسل الإمداد، جميعها عوامل تؤدي إلى ضغوط تضخمية متزايدة وتباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي.
وبذلك، تتحول هذه الحرب من مواجهة إقليمية محدودة إلى أزمة ذات أبعاد دولية، تُعيد تشكيل ملامح الأسواق العالمية، وتفرض على مختلف الدول—مستوردةً كانت أم منتجة—أعباءً اقتصادية متصاعدة قد تعجز كثير من الاقتصادات عن استيعابها في المدى المتوسط والبعيد.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|