القطاع الدوائي يطمئن: المخزون يكفي لأشهر وضمان استمرار الإمدادات
مسيحيو الجنوب ثابتون: من يضمن كسر عُقدة "التخلي" عنهم؟
إنهم خط الدفاع الأول عن لبنان. حرّاس الثغور الذين لم يعرف وجدانهم ولا تاريخهم ولا ثقافتهم، مشروعًا عدوًّا للبنان، أو خدمة لمرشد يقود نحو الهلاك، وجمهوريات سوداء عابرة للحدود والمنطق والحياة. في صمودهم، يملأون فراغ الدولة وتقصيرها في بسط سيادتها الكاملة على الجنوب. في قرارهم الشجاع يستحقون ألقاب "المعالي والسعادة" فعلًا لا لفظًا... لأن بلداتهم هي فعلًا مجلس قيادة وسلطة تنفيذية وتشريعية، لأنهم يتشاورون، يقررون وينفذون ما يقولون فكلمتهم كلمة: باقون، ثابتون في أرض المسيح.
لكنهم يجدون أنفسهم محاصرين، بين لعنَتَيْ التاريخ والجغرافيا. يدفعون مجدّدًا ثمن الوفاء لـ "لبنان الكبير"، إذ صُلِبوا معًا مرّات ومرّات، منذ نشأة الجمهورية عام 1920 إلى عهد "فتح لاند" وصولًا إلى "طهرانستان".
عقب إنذارات الإخلاء لمنطقة جنوب الليطاني، بدأت تتبلور ملامح منطقة عازلة تسعى إسرائيل لفرضها عبر عملية برية وجوية واسعة. وبينما تدفع المناطق الشيعية ضريبة قاسية لخيارات "حزب الله" وإسناداته القاتلة، تمسكت البلدات المسيحية المنتشرة على طول الحدود، كما الدرزية والسنيّة في منطقتي مرجعيون وحاصبيا، بالبقاء في أرضها؛ حيث ساهم رفضها لمنظومة "الممانعة" وعدم سماحها بتحويل أحيائها السكنية إلى بنى عسكرية، في تجنبها، إلى حد ما، ويلات الدمار الشامل والتهجير القسري، رغم سقوط شهداء أبطال، ساهموا في تثبيت ناسهم وأهلهم ككاهن رعية القليعة وابن بلدة دبل الأب بيار الراعي، الذي كانت له مواقف جريئة وشجاعة ضد العابثين بأمن بلدته والمنطقة.
رغم صمودهم، تبرز هواجس وجودية تعيد إلى الذاكرة الجماعية، حقبة ما بين "اتفاق القاهرة" 1969 واندلاع الحرب الأهلية 1975؛ حينها أقصت الفصائل الفلسطينية وحلفاؤها مؤسسات الدولة عن الجنوب، محوّلةً المنطقة إلى ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية. في ذلك الحين، وجد السكان أنفسهم بلا غطاء شرعي، وبلا إمدادات معيشية وشرايين اقتصادية، ولم يبقَ أمامهم آنذاك سوى التكيّف مع الأمر الواقع، والدفاع عن أنفسهم ووجودهم.
بعد عام 2000، استنسخ "حزب الله" التجربة الفلسطينية، إنما بدهاء أكبر، مستندًا إلى شرعية شعبية عريضة تناصره الولاء المطلق، وغطاء سياسي من قبل السلطة اللبنانية، إضافة إلى توافر الظروف الإقليمية التي صبّت في صالح هيمنته، توازيًا مع صعود نجم إيران في المنطقة. فحوّل "الحزب" حضور الدولة في الجنوب إلى وجودٍ شكلي. ومع انقضاء "حرب الإسناد" الأولى بنتائجها المخيبة، اضطر للقبول بوقف إطلاق النار، لكنه سرعان ما عاد إلى نهج المراوغة والتنصّل من الاتفاقيات والقرارات الدولية، كما جرى بعد حرب تموز، حيث ضرب بعرض الحائط القرار 1701 الذي استند بشكل أساسي إلى القرارين 1559 و1680.
وفي "حرب الإسناد الثانية" الانتحارية والقاتلة التي يقودها "الحرس الثوري الإيراني" مباشرة، منح إسرائيل ببضعة "صواريخ فاشلة" ذريعة ذهبية، كانت تتحيّنها للقضاء نهائيًّا على بنيته العسكرية، ما أسفر عن كارثة تهجير جماعي غير مسبوقة لسكان الجنوب والمناطق الأخرى الخاضعة لنفوذ "الحزب".
أما في المرحلة الراهنة، فالمتغيّر الجذري الذي يمكن أن يقطع موروثات حقبة الـ 1975، يكمن بشكل أساسي في تحرر السلطة اللبنانية من "أبجديات المقاومة" وقيودها التي كبّلت الخطاب الرسمي لأكثر من ثلاثة عقود. هذا "الانقلاب الأبيض" والجوهري لصالح مفهوم الدولة، يستمد زخمه من وجود نواف سلام (السنّي) على رأس الحكومة اللبنانية الذي أظهر صلابة وطنية بتقديمه مصلحة لبنان العليا، متجاوزًا بذلك نهج التردد الذي طبع رؤساء الحكومات في عهود النفوذ الفلسطيني والسوري والإيراني. ويبقى اكتمال "جبهة الدولة" معلقًا على تحوّل نوعي في عين التينة؛ فالعين ترصد ما إذا كان رئيس مجلس النواب نبيه بري (الشيعي) سيترجم حرصه على الطائفة الشيعية إلى أفعال سياسية وقرارات إنقاذية تحميها من الانتحار الجماعي الذي تدفع باتجاهه طهران مباشرة. هذا المسار يلاقيه بطبيعة الحال، الموقف الصلب للمكونَين المسيحي المتمثل برئيس الجمهورية وبكركي والأحزاب السيادية كـ "القوات" و"الكتائب" من جهة، والدرزي من جهة أخرى، اللذين شكّلا تاريخيًا خط الدفاع الأول عن فكرة الكيان اللبناني وأولوية الهوية الوطنية على ما عداها من مشاريع عابرة للحدود.
لكن إلى حين الانتهاء من مسألة "حزب الله" العسكرية وانجلاء المشهد الإقليمي الكبير، يطرح أهالي القرى الحدودية الصامدين، تساؤلات حول مصيرهم، في حال اضطرت الدولة المتمثلة بمؤسساتها العسكرية والأمنية للانسحاب من الجنوب. من يضمن بقاءهم؟ ما هو مصير القطاع الصحي إذا ما أُغلقت المستشفيات أو قُطعت عنها شرايين الإمداد؟ هل سيؤدي سيناريو "المنطقة العازلة" الممتدة من الخط الأزرق حتى القاسمية إلى خنق تلك القرى وعزلها تمامًا عن عمقها اللبناني؟ وهل المطلوب فعلًا تهجير هذه البلدات، وإخلاء تلك المنطقة نهائيًّا من السكّان؟
ولمواجهة هذه المعضلة الوجودية والملحّة، كشف مصدر كنسي لـ "نداء الوطن" عن تبلور رؤية مدعومة بحراك دبلوماسي مكثف تجاه عواصم القرار، وفي مقدمها واشنطن والفاتيكان والاتحاد الأوروبي. ويهدف هذا التحرك، إلى انتزاع ضمانات دولية تضغط على إسرائيل لتأمين ممرات إنسانية آمنة تضمن تدفق المساعدات الغذائية والطبية لدعم صمود الأهالي، وذلك تحت إشراف منظمات دولية كالصليب الأحمر، كاريتاس، "فرسان مالطا" وغيرها، مع التعويل على الدور المتبقي لقوات "اليونيفيل" كشبكة أمان ميدانية تمنع إفراغ القرى من سكانها.
وفي إطار متصل، يرى مصدر دبلوماسي مطلع أن هذا المخرج ليس مستعصيًا، وذلك لأسباب عدة، أبرزها تمسك المجتمعين الدولي والعربي بهوية الجنوب اللبنانية، وحرص الدول المعنية وفي طليعتها الفاتيكان على منع قضم أراض لبنانية. ويؤكّد المصدر أن من مصلحة إسرائيل تجنب الضغوط الدولية الناجمة عن احتلال طويل الأمد، خاصة بعد انتهاء مرحلة "حزب الله" وقطع النفوذ الإيراني العسكري والأمني في المنطقة. في الإطار، هناك حقائق ميدانية، لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها، فإنذارات الإخلاء "تجاهلت" تلك القرى، وهذا يعني أن الضغوط الخارجية تفعل فعلها، تمامًا كما حصل في ما يخص المرافق العامة ومؤسسات الدولة، حيث لم تلحقها الاستهدافات الإسرائيلية خلال كل فترة الحرب منذ تشرين الأوّل 2023 حتى الآن. وخلص المصدر إلى أن الاستقرار المستدام لن يتحقق إلا عبر اتفاق سلام شامل، يمثل ضرورة وجودية لضمان عودة الجنوب نهائيًا إلى كنف الدولة اللبنانية وحماية وجوده من أي تقلبات مستقبلية.
في السياق، يشير موفد رئيس حزب "القوات اللبنانية" إلى بعض مناطق الجنوب وعضو المجلس المركزي، جان العلم (ابن بلدة رميش)، إلى أن الجهود المبذولة تشمل القرى المسيحية والدرزية والسنيّة. ويشدد على نقطة في غاية الأهمية، وهي أن المسألة ليست طائفية كما يحاول البعض العزف على هذا الوتر، إذ إن الانقسام ليس بين بلدات مسيحية ودرزية وسنية من ناحية وشيعية من ناحية أخرى. إنما بين قرى اختارت منطق الدولة، وأخرى مؤيدة لجبهة "الممانعة"، والدليل على ذلك، أن بعض البلدات المسيحية كعلما الشعب والقوزح تعرّضتا لدمار كبيرٍ، بسبب تسلل عناصر "الحزب" إلى داخلها عنوة وخلسة، وتوريطها أهلها رغمًا عنهم في حروب الإسناد، علمًا أن حالة السخط من الانجرار إلى الحرب باتت تتسلل أيضًا إلى صلب البيئة الشيعية التي سئمت دفع الأثمان نصرةً للأجندات الخارجية.
في الختام، إن هذا التحوّل الجذري في عقيدة الدولة وانعتاقها من سطوة "حزب الله"، مع ضرورة إقران قرارات الحكومة بالتنفيذ، ليس بتفصيل عابرٍ في قراءة المتغيرات الداخلية العميقة، بل سيمهد الطريق لاستعادة الجنوب عبر الأطر والوسائل الدبلوماسية، إنما بعد تحقيق مسألتين: سقوط "حزب الله" عسكريًّا، والمصلحة الوطنية الاستراتيجية في الالتحاق بقطار السلام الذي سيعبر المنطقة بأكملها. فلو ظل الخطاب الرسمي خاضعًا لمعادلات وإملاءات "الممانعة"، لكانت فرصة استعادة الجنوب معدومة وتهجير أهله أمرًا محتومًا. فالضمانة الحقيقية اليوم وعلى نقيض تجربة الـ "75" هي الدولة اللبنانية.
طوني عطية - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|