"حزب الله" في بيان تعزية بخامنئي: نؤكد عهدنا الثابت في مواصلة الجهاد والمقاومة حتى تحقيق النصر
لبنان تجاوَز قطوع الحرب.. حتى الآن
كلّ الأنظار في لبنان تحوَّلت في اتّجاهٍ واحد، هو التزام حزب الله جانب الهدوء الميدانيّ، واكتفاؤه ببيانات الإدانة والعزاء و"وقفة الوفاء"، ردًّا على اغتيال المرشد الإيرانيّ علي خامنئي. فهل نجح البلد في فكّ ارتباطه بحرب الإقليم؟
حتّى السّاعة، يبدو أنّ هذا هو الاتّجاه. فعلى قسوة الضّربة التي أطاحت برؤوس الهرم في السّلطة والجيش والأمن في إيران، التزم الحزب بتعهّداته التي سُرِّبت عبر وكالة "رويترز" قبل أيّام، بعدم التّدخّل إذا بقيت الضّربة محدودة. وأكثر من ذلك، بقي الحزب في الموقع الهادئ، على الرّغم من وصول الضّربة إلى أقصى شراستها.
وتردّد، من خلال مصادر نيابيّة، أنّ سفراء معتمدين في لبنان تبلّغوا من الرّئيس نبيه برّي أنّ الحزب لن يشارك في أيّ قتالٍ خارجيّ. لكنّ المصادر القريبة من رئيس المجلس آثرت نفي هذه المعلومات، مع تذكيرها برغبته الدّائمة في حلحلة العقد بالوسائل السّياسيّة والدّيبلوماسيّة.
وثمّة من يقول إنّ الحزب، مع غياب خامنئي وتصدّع أركان الحرس الثّوريّ، أدرك أنّ لا جدوى من أيّ حرب مساندة لإيران، بل إنّ هذه الحرب ستكون مغامرةً غير محسوبة العواقب. فأيّ رصاصةٍ تُطلق من لبنان اليوم ستقود إلى تدمير ما تبقّى من بنيةٍ تحتيّة، وهذا الثّمن لم يعد الحزب قادرًا على تحمّله، وكذلك الدّولة اللّبنانيّة التي أكّدت اليوم مجدّدًا استعادة زمام المبادرة.
فقد جاء اجتماع المجلس الأعلى للدّفاع في قصر بعبدا ليجدّد إصرار أركان الحكم والقادة الأمنيّين على أنّ الدّولة هي صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسّلم. وفي أيّ حال، بدا، من خلال المواقف المعلنة بعد الاجتماع، أنّ هناك ارتياحًا عامًّا لموقف الحزب. كذلك، لعب السّفير الأميركيّ ميشال عيسى دور العرّاب لهذا الاستقرار "المبدئي"، عندما نقل رسالةً إلى الرّئيس جوزاف عون قبل يومين، مفادها أنّ إسرائيل لن تُصعّد في لبنان ما دام حزب الله هادئًا.
يبدو أنّ هذه المعادلة حمت لبنان من "قطوع" الانفجار، حتّى الآن على الأقلّ. ولكن، في هذا الخضمّ، جرى تأجيل مؤتمر باريس لدعم الجيش، الذي كان مقرّراً عقده في 5 آذار.
وأعلنت رئاسة الجمهورية أن عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "أجريا اتصالاً تناولا فيه آخر المستجدات التي تؤثر على أمن المنطقة بأسرها، بما في ذلك الدول الصديقة. وقد اتخذ الرئيسا معاً قراراً بتأجيل المؤتمر إلى نيسان، لأن الظروف الملائمة لم تتوافر للإبقاء على موعده المحدد. وقد أكد الرئيسان أن خطورة الوضع الإقليمي تعزز ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية وضمان استعادته سيادته الكاملة. وستواصل كل من فرنسا ولبنان وشركاؤهما في مجموعة الخماسية جهودهم في هذا الاتجاه .
هذا المناخ الإيجابيّ في مقاربة حزب الله للملفّ الأمنيّ والعلاقة مع الدّولة، يُتوقَّع أن تكون له انعكاساته لاحقًا في معالجة ملفّ المرحلة الثّانية من خطّة حصر السّلاح. فالسّؤال الذي يتردّد في غالبيّة الصّالونات السّياسيّة اللّبنانيّة اليوم هو الآتي، إذا كانت إيران نفسها تتّجه نحو التّحوّل الجذريّ بعد رحيل خامنئي، فهل من مبرّرٍ لأن يختار لبنان موقع الماشي بعكس السّير؟
لبنان في قلب المشهد
لبنان المنهك ماليًّا، والمتهالك خدميًّا، والمعلّق على حبال الدّعم الخارجيّ، لا يملك رفاهيّة الانجرار إلى حربٍ جديدة. لذلك، فإنّ التّموضع الحذر، سواء من جانب الدّولة أو من جانب حزب الله، لا يُفهم فقط في سياق الحسابات الأمنيّة، بل أيضًا في ضوء الحاجة إلى إبقاء الأبواب مفتوحة أمام أيّ دعمٍ عربيّ ودوليّ، ولا سيّما من دولٍ مثل السّعوديّة وقطر، في ظلّ التّحضير لمؤتمر دعم الجيش وإعادة الإعمار. فلبنان لا يتحمّل حربًا جديدة، كما لا يتحمّل عزلةً إضافيّة.
من هنا، يكتسب اجتماع المجلس الأعلى للدّفاع في بعبدا أهمّيّةً استثنائيّة. فالاجتماع لم يكن مجرّد إجراءٍ مؤسّساتيّ روتينيّ، بل محاولة واضحة لإعادة تثبيت المرجعيّة الدّستوريّة في ملفّي الحرب والسّلم. حين يقول رأس الدّولة إنّ القرار هو حصريًّا في عهدة الدّولة اللّبنانيّة ومؤسّساتها، فهذا يعني أنّ ثمّة سعيًا جدّيًّا إلى ترسيم حدود السّلطة، وتكريس مبدأ طالما كان موضع تجاذبٍ داخليّ. والأهمّ أنّ هذا الكلام صدر في لحظةٍ بالغة الحساسيّة، ما يمنحه وزنًا سياسيًّا مضاعفًا.
وفي هذا الإطار، بدا أنّ خطاب الدّولة يتقاطع، ولو مرحليًّا، مع سلوك الحزب. فالرّئيس جوزاف عون شدّد على الإجماع الوطنيّ حول مرجعيّة الدّولة، فيما أكّد رئيس الحكومة نواف سلام ضرورة وضع مصلحة اللّبنانيّين فوق كلّ اعتبار، وضبط الوضع الأمنيّ جنوبًا وشرقًا، ومنع أيّ خللٍ ميدانيّ. بالتّوازي، اتُّخذت إجراءاتٌ احترازيّة تتّصل بالأمن الغذائيّ، وتأمين الموادّ الأساسيّة والمحروقات، ومتابعة خطط الطّوارئ، بما يوحي بأنّ السّلطة تتصرّف على قاعدة التّحضير للأسوأ، مع العمل على منعه في الوقت نفسه.
هشاشة الضمانات
كذلك، لا يمكن فصل هذا الهدوء اللّبنانيّ عن شبكة الرّسائل الخارجيّة المتبادلة. فالتّقاطع بين موقف الحزب الهادئ، وطمأنة واشنطن بأنّ إسرائيل لن تُصعّد ما دام لبنان منضبطًا، يكشف أنّ ثمّة مظلّةً غير معلنة تحاول منع انفجار الجبهة اللّبنانيّة. وهذه المظلّة لا تعني استقرارًا ثابتًا، بل هدنةً مشروطةً بالسّلوك، قابلةً للاهتزاز عند أوّل خطأ في الحسابات أو عند أوّل حدثٍ يتجاوز الخطوط الحمر المرسومة.
وفي موازاة ذلك، كانت الحكومة تتابع أوضاع اللّبنانيّين في دول الخليج، في خطوةٍ تعكس إدراكًا بأنّ تداعيات الحرب لا تُقاس فقط بالصّواريخ، بل أيضًا بمصالح النّاس، وحركة الجاليات، ومستوى الأمان الإقليميّ. فالقيادة السّياسيّة تعرف أنّ أيّ تدهورٍ واسع لن يُصيب الحدود وحدها، بل سيطال حركة الاقتصاد، والتحويلات، والعلاقات العربيّة، وموقع لبنان في شبكة المصالح الإقليميّة.
الحزب لن يتدخل (؟)
وفي قراءةٍ موازية، جاء التّقرير الإسرائيليّ المنشور في "يديعوت أحرونوت" ليؤكّد، أنّ حزب الله يتعمّد ضبط النّفس في هذه المرحلة، وأنّ تدخّله يبقى مشروطًا بتعرّضه لضربةٍ مباشرة أو باستهداف المرشد الإيرانيّ. وبمعزلٍ عن الأهداف السّياسيّة والإعلاميّة لهذا التّقرير، فإنّ أهمّيّته تكمن في كونه يعكس كيف يُقرأ المشهد اللّبنانيّ من الجانب الإسرائيليّ، أي إنّ تل أبيب تلتقط بوضوح وجود قرارٍ لبنانيّ، رسميًّا وحزبيًّا، بتجنّب الانزلاق إلى الحرب الشّاملة، على الأقلّ في هذه اللّحظة.
غير أنّ هذا لا يعني أنّ الأرض مطمئنّة تمامًا. فسكّان الجنوب، بحسب أكثر من مؤشّر، لا يثقون تمامًا بلغة التّهدئة، وقد عاد شبح النّزوح ليطلّ برأسه مع أوّل تصعيدٍ كبير. وهذه مفارقةٌ شديدة الدّلالة، إذ إنّ الشّارع اللّبنانيّ، الذي خبر الحروب والانهيارات، لم يعد يُصدّق بسهولةٍ بيانات الطّمأنة، لأنّه يعرف أنّ حادثًا واحدًا قد يُسقط كلّ التّفاهمات، وأنّ الحسابات الكبرى تُربك دائمًا الوقائع الميدانيّة الصّغرى.
كذلك، فإنّ الإشارات الواردة عن تعزيز الجيش اللّبنانيّ سيطرته جنوب نهر اللّيطاني، والتّحضير للانتقال إلى مرحلةٍ ثانيةٍ من حصر السّلاح شمال النّهر، تمنح هذا المشهد بعدًا إضافيًّا. فصمت الحزب اليوم لا يُقرأ فقط في سياق الحرب الإقليميّة، بل أيضًا في ضوء مفاوضةٍ داخليّةٍ غير مباشرة على شكل المرحلة المقبلة، وعلى قواعد العلاقة بين الدّولة والسّلاح. وإذا استمرّ هذا الهدوء، فقد يتحوّل إلى مدخلٍ سياسيٍّ لبحثٍ أكثر جدّيّةً في تنظيم الواقع الأمنيّ اللّبنانيّ تحت سقف الدّولة.
ولعلّ المفارقة الأشدّ وضوحًا أنّ اغتيال خامنئي، بما يحمله من دلالاتٍ كبرى على مستوى إيران والمنطقة، قد يدفع لبنان، ولو على نحوٍ غير مباشر، إلى إعادة طرح سؤاله المؤجّل منذ سنوات، أيّ موقعٍ يريد أن يحتلّه في الإقليم؟ هل يبقى ساحةً مفتوحةً لحروب الآخرين، أم يبدأ، متأخّرًا، مسار الانتقال إلى دولةٍ تُمسك فعلًا بقرارها؟
وفي هذا المشهد، لا يمكن تجاهل بيان الأمين العامّ لـ"حزب الله"نعيم قاسم، الذي نعى فيه خامنئي بلغةٍ تعبويّةٍ عالية السّقف، واعتبر مقتله نتيجة "عدوانٍ أميركيٍّ وصهيونيّ". لكنّ اللافت في البيان أنّه، على شدّته الأيديولوجيّة، لم يُترجم ميدانيًّا بخطوةٍ عسكريّةٍ مباشرة. وهنا تحديدًا تتجلّى المفارقة، خطابٌ ناريّ في السّياسة، يقابله انضباطٌ واضح في الميدان. وهذا الفصل بين اللّغة والسّلوك ليس تفصيلًا، بل يعكس قرارًا واعيًا بتنفيس الغضب داخل بيئة الحزب، من دون تحويله إلى انفجارٍ حدوديّ.
ويندرج في الإطار نفسه الدّعوة إلى "تجمّعٍ جماهيريّ" في الضّاحية الجنوبيّة، إحياءً لذكرى خامنئي. فالحزب، بدل أن يفتح الجبهة، فتح السّاحة أمام التّعبئة الشّعبيّة والرّمزيّة. وهذا الخيار يحمل وظيفةً مزدوجة، احتواء المزاج الغاضب داخل القاعدة، والحفاظ في الوقت نفسه على سقف الاشتباك تحت مستوى الحرب. بمعنى أوضح، الحزب اختار، إلى الآن، أن يُجيب على الزّلزال الإقليميّ بسلاح الرّمزيّة لا بسلاح الميدان.
لبنان لا يزال في عين الخطر
لكن، وعلى الرّغم من كلّ ما تقدّم، يبقى من الخطأ اعتبار أنّ لبنان خرج نهائيًّا من دائرة الخطر. ما نحن أمامه هو هدنة احتماليّة، لا أكثر. فالمنطقة دخلت طور حربٍ طويلة، قد تتحوّل إلى استنزافٍ متعدّد الجبهات، أو إلى مواجهاتٍ متقطّعة، أو إلى انفجارٍ واسعٍ يعيد رسم الخرائط والتّوازنات. وفي مثل هذه الحروب، لا تحتاج المنطقة إلى قرارٍ كبير كي تشتعل، يكفي خطأ صغير، أو ضربةٌ غير محسوبة، أو سوء تقديرٍ على أحد الخطوط الحمراء.
والرّهان الحقيقيّ لا يكمن فقط في تجنّب الانفجار، بل في استثمار هذه اللّحظة لإعادة تثبيت منطق الدّولة، وانتزاع قرار الحرب والسّلم من منطقة الالتباس المزمن.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|