دروز السويداء عالقون في عزلة كماشة خطرة...أين العرب ؟!
بعد ستة أشهر من المجازر الدامية التي ارتُكبت في محافظة الجنوب السوري، يرى المدنيون الدروز مصيرهم يتأرجح بين الصدمة، وهيمنة مافيوية، وولاء لإسرائيل.«من هنا فصاعدًا أنتم تدخلون أرض الأشقياء».
هكذا يقول محمد، الذي يتولى آخر نقطة تفتيش قبل السويداء. وعلى بعد كيلومترات قليلة، تفلت المدينة من سيطرة السلطات السورية. هناك يبدأ نفوذ «الحرس الوطني»، وهو ائتلاف يضم نحو ثلاثين فصيلاً درزيًا. والدروز أقلية في سوريا لكنهم يشكلون غالبية في هذه المحافظة الجنوبية، ويطالبون بحكم ذاتي كامل.
«لا يمرّ سوى صهاريج الوقود والمساعدات الغذائية… لكن ميليشياتهم تنهبها في الجهة الأخرى»، يحذر محمد، واقفًا وسط رجاله بزيّهم الأسود.
في الجهة المقابلة، عند معبر أم الزيتون بعد المنطقة العازلة، يتمركز رجال بلباس مموّه أزرق. «أشقياء نحن؟» يردّ محمد آخر، وهو درزي يتحدث باللهجة نفسها. «هم اللصوص! السلطة المركزية تفرض حصارًا، بل تفرغ خزانات المازوت من المدنيين العائدين!»
الرجل الأربعيني ينام هنا مع عائلته داخل شاحنة عند نقطة التفتيش. «قريتي هناك»، يقول مشيرًا إلى الشمال. «الإرهابيون أحرقوها… ولن أعود إليها أبدًا».
في يوليو/تموز، أسفرت الاشتباكات بين الميليشيات الدرزية والقوات السورية، عقب دخول الأخيرة بعنف إلى السويداء، عن ألف قتيل على الأقل بحسب الأمم المتحدة. وانتهت بمجزرة راح ضحيتها 539 مدنيًا على الأقل، معظمهم من الدروز، إضافة إلى بدو. وبعد يومين داميين، أُجبرت قوات دمشق على التراجع تحت ضربات الطيران الإسرائيلي، لتقع المنطقة تحت سيطرة هذا «الحرس الوطني» المستحدث.
أعلام إسرائيل
منذ منتصف فبراير/شباط، تفرض المنظمة قيودًا صارمة على عبور المدنيين، ويُخصص لكل صحافي مرافق «توجيهي» لمراقبة تحركاته.
عند مدخل السويداء، ترفرف الأعلام الإسرائيلية إلى جانب الرايات الدرزية. وفي الساحات، تنتشر شعارات من قبيل «اللهم انصر إسرائيل»، إلى جانب عبارات تمجّد تل أبيب. والأكثر إثارة للدهشة أن إحدى نقاط التفتيش رفعت علم نظام الأسد بعد استبدال نجومه بنجمة داود.
يقول طلال العامر، أحد قادة الحرس الوطني، مبتسمًا وهو يصافح ببرود: «العلم الإسرائيلي هو اعتراف مطلق بمساعدتهم: الحكومة والشعب والجيش!»
يستقبل ضيوفه في مبنى إداري قديم للنظام، جرى طلاء صور بشار الأسد فيه بالجير العام الماضي احتفالًا بسقوطه. وكغيره من قيادات الحرس، كان العامر ضابطًا في جيش الأسد، وما زال يستخدم مفرداته؛ فيصف السلطة المركزية بـ«العصابات التكفيرية الإرهابية».
ويؤكد: «تنسقّنا مع إسرائيل يتم يوميًا، ونأمل فتح معبر من جهة الجولان»، معلنًا تحالفه بوضوح.
في ساحة الكرامة، حيث شهدت المدينة احتجاجات 2022 المطالبة بإسقاط الأسد، ثم تظاهرات حديثة تطالب بفتح معبر نحو إسرائيل، لا يمكن إغفال صور الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية. بعد أن كان مُهمّشًا قبل أشهر، أصبح اليوم القوة المحرّكة خلف الحرس الوطني. وهو يتبنى علنًا شعار «الدولة المستقلة في جبل باشان»، في إشارة تاريخية تناقض تسمية «جبل العرب».
أحياء أشباح
في باحة أحد المقرات، يقف شبان بالكاد بلغوا سن الرشد يحملون أسلحة بتردد. «احملوا أسلحتكم! ما هذا، مقاتلون بلا سلاح؟» يوبخهم القائد.
يتقدم مهنّد، طالب سنة أولى هندسة ميكانيكية: «تطوعت في الحرس الوطني… ولست معتادًا حقًا على حمل سلاح». يهمس له القائد: «قل إنهم دربوك على استخدامه للدفاع عن نفسك». فيعيد الجملة كما أُمر.
المدينة شبه خالية؛ 187 ألف شخص فروا، أي أكثر من نصف سكان المحافظة. في الغرب أحياء مدمّرة، نُهبت منازلها. ورغم إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال الاشتباكات اليومية مستمرة بين الجيش السوري الساعي للعودة، والحرس الوطني الذي يسعى لتوسيع سيطرته.
«لم تمتد أي يد»
على طريق الجبهة، يتفقد أسامة بين حين وآخر «مضافته» – بيت الضيافة التقليدي في المجتمعات العشائرية. الرطوبة تُسقط أملاحًا على الجدران كأنها ثلج. علّق صور أجداده من وجهاء الدروز الذين شاركوا في الثورة الكبرى ضد الانتداب الفرنسي.
«ورثت تاريخهم… طوال حياتي عارضت طغيان الأسد، وذقت فرحة التحرر. لكن اليوم كل شيء تغيّر».
يتذكر «الصباح الملعون» في يوليو/تموز 2025، حين اقتحم مسلحون ملثمون المضافة. «قالوا: قهوتكم لا تُشرب، يا كفار الدروز… ثم تلقوا أمرًا وبدأوا المجزرة. قتلوهم جميعًا. رميت نفسي أرضًا وتظاهرت بالموت، وهم يضحكون».
نجا بعد عمليات جراحية عدة، لكنه لا يحرك يده المصابة إلا بصعوبة. «يؤلمني أننا – نحن أبناء العروبة الذين كتبوا تاريخ الاستقلال – نرفع اليوم علم إسرائيل. لكن لماذا لم تمتد أي يد من السعودية أو الأردن أو قطر؟ السويداء سورية… وأتمنى أن تنتمي إلى وطن حر بلا دين على رأسه».
غير أن الواقع يسير في اتجاه آخر. المدينة تعاني نقصًا حادًا في الموارد، وبعض المدارس تؤوي نازحين في ظروف مزرية. «ما يحطمني هو أن بقية السوريين تسامحوا مع إبادتنا»، يقول نواف، شيخ مسنّ ينتظر وجبة «مخلوطة» بسيطة لإطعام الناجين.
في محافظة فقيرة الموارد والصناعة، لا يطالب جميع المدنيين بالاستقلال. بعض «شيوخ العقل» يعارضون الارتماء في أحضان تل أبيب. وحركات مدنية درزية مثل «الطريق الثالث» تدافع عن وحدة سوريا بشرط محاسبة صارمة على المجازر.
لكن الحرس الوطني – الذي يضم ضباطًا سابقين من النظام – لا يحتمل هذه الأصوات. عُثر على جثث شيخين معارضين بعد اعتقالهما في ديسمبر/كانون الأول. كما يتعرض ناشطون دروز للترهيب والاعتقال وأحيانًا التعذيب، فيما تصادر بعض الفصائل أراضي لتمويل نفسها.
«بعض مقاتلي الحرس يتقاتلون لتقاسم غنائم السويداء»، يقول رجل طلب عدم الكشف عن هويته. «لم أكن يومًا مؤيدًا لإسرائيل… لكن إذا كان هناك طريق يقود إلى الموت، أفهم أن يتحالف المرء مع الشيطان ليتفاداه. ومع ذلك، فالاستقلال سراب. نعيش بالكاد على أموال أقاربنا في دمشق، وأخشى عليهم لأنهم يعيشون بجوار جلادينا».
وقد نزح منذ سبعة أشهر بعد إحراق منزله. ويختم: «يؤلمني رأسي من كثرة التفكير… والخلاصة التي أصل إليها دائمًا أننا وحدنا، وحدنا بشكل رهيب»
بقلم: آرثر سارادان – موفد خاص إلى السويداء -ليبراسيون
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|