بالفيديو - توقف السير عند جسر الرينغ احتجاجا على رفع أسعار البنزين
ظاهرة الانتحار تتفشى بين الشباب... تشريح نفسي "للهروب الأخير"
لم تعد ظاهرة الانتحار مجرد خبر عابر أو حادث فردي، بل اصبحت إشارة إنذار تكشف هشاشة بنية المجتمع النفسية والاجتماعية. ما يظهر كأرقام هو في الواقع انعكاس لضغوط مركّبة، تتقاطع فيها القسوة المعيشية مع العجز النفسي وغياب شبكات الدعم المحلية، لتدفع الفئات الشابة نحو أقصى خيارات اليأس: إنهاء الحياة.
رغم الاستقرار السياسي... الحالة تعود!
من هنا، المفارقة القاسية أن هذه الوقائع تتكرّر في لحظة يُفترض أنها بداية مرحلة سياسية جديدة في لبنان، بعد فراغ طويل وتبدّل في السلطة التنفيذية، وخروج مثقل من صدمات أمنية وعسكرية. ويتحدث الخطاب العام عن انطلاقة، بينما المؤشرات الإنسانية تشير إلى إنهاك وفقدان معنى، وتآكل ثقة. الفجوة بين الوعود والقدرة الفعلية على التغيير، تولّد شعورا بالخديعة الجماعية، وهو شعور أشد فتكا من الأزمة الاقتصادية نفسها.
لذلك، تزايد إقدام شبّان وشابات على هذا الخيار لا يمكن عزله عن بيئة ضاغطة تُراكم العجز، هنا لا يُطرح السؤال بصيغة عاطفية، بل بهيئة تحقيقية صارمة: ما الذي يجعل سنّ الاندفاع نحو الحياة، يتحوّل إلى سنّ الانسحاب منها؟
إنذار صامت!
ومن هذا المنطلق، تعود "الديار" إلى فتح هذا الملف بوصفه قضية إنسانية وأخلاقية قبل أي توصيف آخر، بعدما تحوّلت الوقائع المتناثرة إلى نمط مقلق، لا يمكن عزله أو تبريره كحوادث فردية. السجون اللبنانية كانت نقطة الاشتعال الأولى في المتابعة الأخيرة، مع تسجيل ست حالات خلال أشهر قليلة وارتفاع في حالات إنهاء الحياة خلال الأسابيع الماضية من العام المنصرم، وبينها حالة لقاصر، ما يكشف خللا مضاعفا في بيئة، يفترض أنها خاضعة للرقابة والحماية لا للانهيار الداخلي.
وبناء على ما تقدم، مع دخول الشهر الثاني من عام 2026، جاءت صدمة جديدة تمثّلت بإقدام المدعو س. ن البالغ من العمر 32 عاما، وهو عنصر في الجيش اللبناني، على وضع حد لحياته داخل منزله في بلدة كفردلاقوس – قضاء زغرتا، حيث عُثر عليه جثةً إلى جانب سلاح حربي. وتؤكد مصادر امنية لـ "الديار" أنه لا شبهة جرمية في الواقعة. في جميع الاحوال، لم يُقرأ الحدث كخبر أمني عابر، بل كصفعة للوعي العام، لأن المؤسسة العسكرية تُعدّ تقليديا مساحة انضباط وصلابة نفسية، لا ساحة انهيار شخصي.
وتوضح المصادر الأمنية ان "المعطيات الميدانية تكشف اتساعًا جغرافيًا في محاولات الانتحار خلال الأعوام الماضية، مع تسجيل وقائع في البربير والأشرفية وعكار، ما ينفي حصر الظاهرة ببيئة محددة أو شريحة واحدة.
أما الأرقام الصادرة عن "الدولية للمعلومات" فتُظهر تسجيل نحو 170 حالة خلال عام 2023، مقابل 138 في 2022، وهو مستوى يقارب أرقام 2019، بما يحمله ذلك من دلالة على مسار تصاعدي لا على تذبذب ظرفي. غياب الإحصاءات النهائية للعام الجاري لا يعني تراجع الخطر، بل يكشف قصورا إضافيا في الرصد المنهجي لواحدة من أخطر المؤشرات الاجتماعية.
تفكك داخلي
من جهتها، تشرح الاختصاصية النفسانية والاجتماعية غنوى يونس لـ "الديار" أن "إقدام أشخاص في مرحلة الشباب، سواء في أواخر العشرينات أو الثلاثينات أو ما حولهما، على إنهاء حياتهم لا يُفسَّر بدافع واحد مباشر، بل ينتج من تداخل ضغوط متشابكة".
وتضيف: "يرتبط هذا السلوك غالبا بمرحلة مراجعة قاسية للذات والمسار، حيث تتعرّض الصورة الشخصية للاهتزاز تحت ثقل المقارنة والإخفاقات المتراكمة، والشعور بتبدّد المعنى. وتندرج هذه الحالة ضمن ما يُعرف بأزمة ربع العمر، وهي طور نفسي موصوف في الأدبيات الحديثة، يتّسم بتشكيك عميق في الهوية والغاية والاختيارات المصيرية، مع إحساس بالحصار داخل مسار مهني غير مُرضٍ، أو ارتباط عاطفي مأزوم أو واقع لا يعكس التطلعات. هذا التوصيف مدعوم بأبحاث صادرة عن American Psychological Association، والتي تربط بين اضطراب الاتجاه الشخصي، وارتفاع مستويات الضيق الوجودي لدى الفئات الشابة".
وتختم: "تؤكد المقاربة العلمية أن الدافع المحوري في معظم الحالات، لا يتمثل في طلب الموت بحد ذاته، بل في السعي إلى إيقاف ألم نفسي يُختبر كأنه غير محتمل. هذا النوع من المعاناة يتضخم مع اختناقات شخصية ومهنية، تعثر مالي، أو انهيار روابط وثيقة، ما يدفع الإدراك إلى تضييق الخيارات حتى تبدو النهاية مخرجا وحيدا. ضمن هذا المنظور، التشديد المهني يكون على ضرورة تدخّل الاختصاصيين وطلب المساندة العلاجية، فور ظهور مؤشرات الانكسار الحاد، لأن الدعم المتخصص يقطع مسار التدهور قبل تحوّله إلى قرار نهائي".
ندى عبد الرزاق - "الديار"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|