الصحافة

السعودية والحريري بين الندية والانفجار

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كانت ذكرى 14 شباط هذه السنة سريالية ومختلفة تمامًا عن كل الفعاليات السابقة، بل وحتى المسار السياسي للحريرية برمته منذ عام 2005. بعد الأخبار التي بثتها قناة "الحدث" عن التحالف بين "تيار المستقبل" و "حزب الله"، واتهام الأول بالاستثمار في الخلاف بين السعودية والإمارات لإعادة إنتاج دور سياسي له، بما تختزنه من رسائل سياسية ذات حمولة مكثفة، غاب الرئيس سعد الحريري وخطابه تمامًا عن "الحدث" و "العربية" وصحيفة "الشرق الأوسط". وهذه الوسائل الإعلامية الثلاث رغم طابعها العربي - الإقليمي، إلا أنها تعبر في الوقت ذاته عن السياسة السعودية.

توجت هذه الرسائل بتغريدة الإعلامي السعودي البارز داود الشريان على منصة "أكس" عن العلاقة بين المملكة ولبنان قال فيها إنه "منذ خمسينات القرن الماضي تبدلت الأسماء والتحالفات بينما بقي الثابت دعم الدولة اللبنانية وسياستها وعروبتها، هي سياسة دولة تجاه دولة لا رعاية زعامة أو تيار". وبذا تكتمل الرسائل السعودية في الإعلان عن خروج الحريري من تحت المظلة السعودية.

في المقابل بدا غرام "حزب الله" الناشئ بالحريري عبر شبكة إعلامه ومؤثريه وجيشه الإلكتروني فاقعًا للغاية وشديد الافتعال، ويعبر عن وجود قرار يتجاوز الأطر المحلية ويتصل بمركز قراره في طهران بتشكيل حاضنة سياسية وإعلامية للحريري. ليس تفصيلًا أبدًا أن تتحول وسائل إعلام "الحزب" والتي لطالما كانت رأس حربة في الهجوم الدائم على السعودية والحريرية نفسها إلى منابر داعمة للرئيس سعد الحريري، وراحت تتباكى على من اشترك "الحزب" في دمه.

إزاء هذه المشهدية السريالية والتي تحمل طابعًا انقلابيًا مذهلًا، حرص الرئيس سعد الحريري في خطابه على إمساك العصا من منتصفها. وجّه رسائل مبطنة شديدة القسوة إلى السعودية، ورد التحية لـ "حزب الله" من خلال عدم الغوص "عميقًا" في مسألة تسليم سلاحه، والتموضع خلف "عموميات" الدولة. رام الحريري من خلال خطابه إعادة صياغة العلاقة مع السعودية من الند إلى الند والتأكيد على كونه مرجعية لا يمكن تجاوزها.

لذلك كان تركيز "المستقبل" على تأمين أكبر حشد جماهيري في "ساحة الشهداء" لتوظيفه ضمن سياق سياسي يبتغي التفاوض من موقع قوة. غير أنه ثمة العديد من العوامل التي أفشلت هذا الرهان، بمعزل عن الخوض في لعبة الأرقام، ورغم بعض المساعدات الجماهيرية التي تلقاها من "حزب الله" و "حركة أمل" وجهات ممانعة لنفخ حجم الحضور. ناهيكم عن الضغوط الهائلة التي مارسها فريق الحريري على شخصيات ونخب، ورجال أعمال، ورجال دين، للمشاركة بالذكرى والتحشيد، دعمًا وحضورًا، وكذلك لزيارة "بيت الوسط".

في الكواليس، ثمة أجواء تحمل نُذر صدام مباشر مع السعودية يوشك على الانفجار بشكل عارٍ، حيث تسود لغة غير مألوفة ويقال كلام كبير في الاجتماعات واللقاءات من قبيل أن "السعودية هي الخاسرة". وإذا كان قرار تعيين بهية الحريري نائبًا لرئيس "المستقبل" يمثل خطوة تؤكد العودة إلى الميدان السياسي، فإنها في الوقت نفسه أثارت تساؤلات كثيرة في الأوساط "المستقبلية" حول فرض القرار دون الوقوف على رأي أحد في التيار.

بكافة الأحوال، فإن ما قام به الرئيس سعد الحريري ليس عملًا فردي الطابع، بل يستند في عملية إعادة التموضع السياسي التي يجريها إلى مظلة دعم واسعة متعددة الأطراف، عربية وإقليمية ودولية، في القلب منها سوريا وصراعات النفوذ الدولي فيها وعليها، وتأثير العصبية السياسية السنية التي يجسدها الرئيس أحمد الشرع. الأمر الذي يفسر سبب حرص الحريري في خطابه وفي دردشته مع الإعلاميين على إفراد مساحة بارزة لمغازلة الشأن السوري.

سبق وأشرنا في مقالات سابقة إلى وجود صراع جيوسياسي بين تحالفين كبيرين، كلاهما تحت المظلة الأميركية، يضم أحدهما فرنسا واليونان والإمارات، فيما الآخر يضم السعودية وتركيا وسوريا نفسها وقطر وباكستان. وما بينهما مصر وقوى إقليمية أخرى، وتقاطعات مع إيران في بعض المواضع. كل ذلك ضمن عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في المنطقة وتوازناته.

وسط ذلك، تبرز الحاجة لدى التحالف الأول إلى الحريري كظاهرة سنية يتجاوز حضورها الساحة المحلية، وقادرة على إحداث التوازن مع العصبية التي صار يجسدها الشرع، الذي يبدو أكثر تماهيًا مع التحالف الثاني، للحؤول دون تمدد تأثيرها خارج الجغرافيا السورية، حيث تشير المعلومات إلى وجود تواصل مباشر بين الشرع والحريري عبر الهاتف مع مساعٍ وضغوط يبذلها الثاني للقاء الأول، حيث تتيح له الصورة مع الشرع ترميم مشروعيته السنية وإعادة رصّ صفوفها خلفه.

بيد أن لدى الشرع حساباته السياسية الدقيقة وهو المعروف عنه دقة الحساب وطول الأناة. الأمر الذي يجعل المشهد مفتوحًا على العديد من الاحتمالات، بينها إمكانية فشل محاولات التقارب هذه واندلاع صراع سياسي سني الطابع لمنع تمدد تأثير الشرع وسيرورته زعيمًا سنيًا إقليميًا، وتاليًا تمدد نفوذ التحالف الذي يدعمه. في غمرة هذه النقاشات، ثمة معطى أساسي يتم إغفاله وهو أن دخول سعد الحريري عالم السياسة كحامل لمشعل الحريرية السياسية كان قرارًا سعوديًا، بما يجعل قرار التعامل معه يكتسي بخصوصية مضاعفة، والمملكة لم تقل كلمتها بعد.

سامر زريق - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا