الدولة - حزب الله: السيادة أو التواطؤ
كتبت إليسا الهاشم :
لبنان وصل إلى لحظة مفصلية، لحظة القرار. كل يوم تتأخر فيه الدولة اللبنانية في إعلان حزب الله منظمة إرهابية أو تنفيذ خطة شاملة لحصر السلاح، تصبح مؤسسات الدولة شريكة في حماية مشروع ميليشياوي ارهابي انقضى وقته. الإجماع الدولي لا يتغير بناءً على نتائج مفاوضات إيران-أميركا سواء أثمرت او انهارت؛ الولايات المتحدة، إسرائيل، دول الخليج العربية، وأوروبا متفقون: حزب الله لا يمكن ولا يجب أن يكون طرفاً في إعادة بناء لبنان أو إدارة مؤسساته السياسية والأمنية والاقتصادية.
الوقائع تكشف تملّص الدولة من مسؤولياتها بوضوح. في تقرير نهاية العام، أعلن الجيش اللبناني والحكومة أن عملية حصر السلاح جنوب الليطاني اكتملت، إلا أن اكتشاف أنفاق جديدة خلال الفترة نفسها يثبت أن المهمة لم تنتهِ على الأرض بعد. إسرائيل ما زالت تستهدف خلايا الحزب النشطة في الجنوب، ما يعكس استمرار قدراته الهجومية ويدل على هشاشة الأمن اللبناني إذا لم تُفرض سيادة الدولة. بالمقابل، خطة الجيش لشمال الليطاني ولـ"كامل الأراضي اللبنانية" لا تتضمن جداول زمنية واضحة لبداية التنفيذ أو نهايته، ما يضع جدية الدولة في فرض القانون والسيادة على المحك ويثير تساؤلات مشروعة حول الالتزام السياسي الفعلي.
الوضع يتعقد أكثر مع تقارير حديثة، سواء تلك الصادرة عن الجيش الاسرائيلي او من صحيفة The Telegraph، عن تورط حزب الله في دعم خلايا فلسطينية جهادية في الضفة الغربية، بما يشمل قيادة متمركزة على الأراضي اللبنانية. نشاط الحزب على الأراضي اللبنانية أصبح جزءاً من معادلة أمنية إقليمية، في وقت يُركز فيه المجتمع الدولي على إيران ولوجستيات أي صراع محتمل. تحضيرات موازية تجري حول لبنان وملاذات الحزب، ما يعكس بعداً استراتيجياً إضافياً لتأجيل الدولة لخطواتها الحاسمة ويزيد من احتمال مواجهة مباشرة مع شركاء إقليميين ودوليين.
تصريح قائد الجيش رودولف هيكل وآخرين سياسيين من الجانبين الموالي والمناهض لحزب الله بأن الحزب لا يُصنف إرهابياً في السياق اللبناني يوضح استمرار التردد الرسمي. إذا كان رفض الدولة الاعتراف بحزب الله منظمة إرهابية يُبرر حماية الشريحة الشيعية، فلا بد من الفصل الواضح بين الشيعة كمجتمع ديني وسياسي وبين حزب الله كنسخة مشوهة من هذا الطيف، تستخدم الغطاء الطائفي لحماية مشروع ميليشياوي غير شرعي.
الإجماع الدولي صار أداة ضغط صارمة. العقوبات الأميركية استهدفت شبكات مالية حاولت تحويل أكثر من مليار دولار منذ مطلع 2025 لدعم الحزب عبر شركات غسل أموال واستغلال السوق النقدي اللبناني، فيما أدرجت الكويت ثمانية مستشفيات لبنانية على قائمة الإرهاب، رغم تقديمها خدمات إنسانية، ما يؤكد صرامة المجتمع الدولي في منع أي شرعنة للسلطة الموازية. واشنطن، تل أبيب، دول الخليج، وأوروبا متفقون على أن أي دعم للبنان مرتبط مباشرة بقدرة الدولة على فرض القانون ونزع سلاح الميليشيات، بغض النظر عن أي تفاهمات إقليمية مستقبلية. أي محاولة للتسويف أو تقديم الحزب كطرف شرعي في الحكم أو الاقتصاد ستصطدم مباشرة بهذا الحاجز الدولي الصارم، وتضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مصداقي لا يمكن تأجيله.
غياب الإجراءات الحاسمة له تداعيات مباشرة على الداخل. أي انتخابات أو خطوات سياسية كبرى تُجرى قبل إثبات قدرة الدولة على فرض القانون ونزع سلاح الحزب ستكون بلا شرعية، وستثبت أن كل مؤسسات الدولة شريكة في تواطؤ مع مشروع ميليشياوي انتهى زمنه. التأجيل المستمر يعزز سلطة الحزب، ويقوض ثقة المجتمع الدولي في الدولة، ويزيد من عزلة لبنان سياسياً وأمنياً. اقتصادياً، استمرار الهيمنة الموازية يعني تدفق التمويل غير الرسمي، تعطيل الاستثمارات، وإدامة الاقتصاد الموازي الذي يموله حزب الله، ما يفاقم أزمات المالية العامة ويزيد تكلفة الإصلاحات الضرورية.
إذا اختارت الدولة الاعتراف بحزب الله منظمة إرهابية ونفذت خطة شاملة لحصر السلاح، فالمجتمع الدولي سيعيد ثقة جزئية في لبنان، وستصبح الانتخابات المقبلة شرعية، ويُفتح المجال لإصلاح مؤسسات الدولة وتمويل استثمارات حقيقية. الاقتصاد الموازي الذي يموله الحزب سيواجه عقبات جدية، وستصبح الدولة اللبنانية شريكاً فاعلاً في أي حوار إقليمي مستقبلي.
أما إذا استمر التسويف، فالنتائج ستكون وخيمة: الانتخابات ستصبح مجرد غطاء لاستمرار الهيمنة الموازية، كل مؤسسات الدولة ستصبح متهمة بالتواطؤ، التمويل غير الرسمي سيستمر، ونفوذ الحزب سيزداد، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويضع لبنان في مواجهة مباشرة مع شركائه الدوليين.
أسئلة حاسمة تطرح نفسها على كل مواطن وقائد سياسي: هل ستسمح الدولة أن تتحول مؤسساتها إلى ستار شرعي لحزب انتهى زمنه؟ هل يمكن لعائدات مالية دولية أن تُعالج مشاكل الدولة إذا لم يتم إنهاء احتكار الحزب للقوة؟ وهل الانتخابات يمكن أن تكون شرعية إذا ظل السلاح خارج السيطرة؟ كيف يمكن لأي مفاوضات إقليمية أو اتفاق دولي أن تصمد إذا لم تُفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها؟
الخيار واضح ومباشر: الاعتراف رسمياً بحزب الله كمنظمة إرهابية، تنفيذ خطة شاملة لحصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وربط أي دعم دولي بالالتزام الكامل بهذه المعايير. أي إخفاق لن يُفسّر كتعقيد داخلي، بل كخيار واعٍ بترك الفراغ قائماً، مع كلفة سياسية وأمنية لا يمكن احتواؤها لاحقاً.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|