الصحافة

لبنان في مهبّ صراع الطاقة بين واشنطن وبكين عبر طهران

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتقاطع المؤشرات السياسية والعسكرية الصادرة عن واشنطن وتل أبيب في اتجاه واحد، يوحي بأن خيار الحرب على إيران لا يزال قائمًا والتحضيرات له مستمرة، وهو سيناريو يجري التحضير له بجدية ميدانية، حتى في ظل استمرار المسار التفاوضي في مسقط. فالتوازي بين الحشود العسكرية والإجراءات العملياتية من جهة، واستمرار التفاوض ضمن هامش ضيق من جهة أخرى، يعكس مقاربة أميركية تقوم على فرض معادلة واضحة تعتبر أن التفاوض ليس بديلًا عن الحرب، بل هو المسار الأخير قبلها. ويكتسب هذا التوقيت أهمية إضافية مع اقتراب زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين مطلع شهر نيسان، حيث تسعى واشنطن إلى حسم الملف الإيراني قبل تلك الزيارة، سواء عبر اتفاق يضمن مصالحها الاستراتيجية أو عبر مواجهة عسكرية تفرض واقعًا جديدًا، بما يسمح لترامب بالانتقال إلى المواجهة الكبرى مع بكين وهو يمتلك ورقة الطاقة العالمية.

هذا الاستنتاج لا ينطلق من معطيات تكتيكية مرتبطة بإيران وحدها، بل من قراءة استراتيجية أوسع لطبيعة الصراع الدولي الحقيقي، الذي يتمحور حول المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. فالصراع مع روسيا، رغم حدته، يبقى نزاعًا على النفوذ والتوازنات، بينما المواجهة مع الصين هي صراع على قيادة النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين. في هذا السياق، تدرك واشنطن أن إخضاع الصين عسكريًا أمر غير واقعي، نظرًا إلى القدرات البشرية والعسكرية الصينية الضخمة، حيث يمتلك الجيش الصيني ملايين الجنود، فضلًا عن قدرة الدولة الصينية على تحمّل حرب طويلة الأمد من دون انهيار داخلي. لذلك، لا يمكن كسر الصين عبر الحرب التقليدية، بل عبر نقطة ضعفها البنيوية، وهي الطاقة.

تعتمد الصين بشكل أساسي على استيراد الطاقة لتشغيل اقتصادها الصناعي الضخم، ما يجعل أمن الطاقة مسألة وجودية بالنسبة لها. وتشير المعطيات إلى أن الصين تستورد نحو 35 في المئة من احتياجاتها النفطية من الخليج، ونحو 35 في المئة من إيران وفنزويلا، وقرابة 30 في المئة من روسيا. وهذا يعني أن أي طرف ينجح في التحكم بهذه المصادر يصبح قادرًا على التأثير المباشر في الاقتصاد الصيني، وبالتالي في قدرتها على المنافسة العالمية. ومن هنا، تتحول السيطرة على تدفقات الطاقة إلى الأداة الأكثر فعالية في الصراع الأميركي - الصيني، وليس المواجهة العسكرية المباشرة.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم الحرب في أوكرانيا بوصفها جزءًا من استراتيجية أميركية أوسع للسيطرة على مصادر الطاقة العالمية. فقد كان الاقتصاد الروسي يعتمد بنسبة كبيرة على صادرات الغاز إلى أوروبا، وهو ما وفر لموسكو نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا. لكن مع اندلاع الحرب والعقوبات الغربية، تم تقليص هذا الدور بشكل جذري، ما أدى إلى إعادة توجيه صادرات الطاقة الروسية نحو الصين، ولكن بأسعار مخفضة بسبب العقوبات، الأمر الذي أضعف العائدات الروسية وقلّص هامش المناورة لديها. وبهذا المعنى، لم تكن الحرب في أوكرانيا صراعًا إقليميًا محصورًا، بل خطوة ضمن معركة أوسع للسيطرة على تدفقات الطاقة، وبالتالي التأثير في الصين.

وبالتوازي، نجحت الولايات المتحدة في إعادة بسط نفوذها على مصادر الطاقة في فنزويلا، ما أدى إلى تقليص قدرة بكين على الاعتماد على هذا المصدر. وبذلك، بقيت إيران العقدة الأساسية في معادلة الطاقة العالمية، باعتبارها أحد آخر المصادر الكبرى للطاقة التي لا تزال خارج السيطرة الأميركية الكاملة. ومن هنا، يصبح الضغط على إيران، سواء عبر التفاوض أو التهديد العسكري، جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إنهاء قدرة طهران على تصدير النفط إلى الصين خارج الإطار الذي تحدده واشنطن. فإذا نجحت الولايات المتحدة في تحقيق هذا الهدف، فإنها ستكون قد وضعت يدها على القسم الأكبر من مصادر الطاقة التي تعتمد عليها الصين، ما يمنحها أداة ضغط استراتيجية هائلة.

في ضوء ذلك، يصبح التصعيد العسكري ضد إيران مفهومًا ضمن سياق أوسع يتجاوز البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، ليصل إلى جوهر الصراع الدولي على الطاقة. فإما أن تقبل إيران بشروط تقيّد دورها كمصدر مستقل للطاقة، أو تواجه ضغوطًا قد تصل إلى حد تغيير النظام أو إعادة تشكيله بما يتوافق مع التوازنات الجديدة. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة وهي إخراج إيران من موقعها كعامل مستقل في معادلة الطاقة العالمية.

وسط هذه التحولات الكبرى، يبدو لبنان في موقع المتلقي لتداعيات الصراع، لا اللاعب فيه. فالجدل الداخلي حول السلاح يجري بمعزل عن حقيقة أن مصير هذا السلاح بات مرتبطًا مباشرة بنتائج المواجهة الأميركية - الإيرانية. والمهلة التي مُنحت قبل تقديم الجيش تقريره حول حصرية السلاح شمال الليطاني في جلسة مجلس الوزراء الاثنين المقبل، جاءت نتيجة اتصالات إقليمية هدفت إلى تجنب تفجير الوضع الداخلي في لبنان في مرحلة خطيرة إقليميًا. فالدول العربية المعنية تدرك أن أي انفجار داخلي في لبنان الآن قد يتقاطع مع المواجهة الأميركية - الإيرانية، ما يفتح الباب أمام فوضى غير محسوبة.

وبالتالي، فإن مستقبل السلاح في لبنان لم يعد مسألة داخلية بحتة، بل بات جزءًا من التسوية الإقليمية الأوسع التي سترسمها نتائج المواجهة بين واشنطن وطهران. فإذا انتهت المواجهة بتفاهم، سينعكس ذلك تسويات على مستوى المنطقة، بما فيها لبنان. أما إذا انتهت بصدام عسكري، فإن النتائج ستكون أكثر جذرية، وقد تؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى بالكامل. وفي الحالتين، يتضح أن لبنان يقف على هامش صراع دولي أكبر بكثير من قدرته على التأثير فيه، بينما تتحدد معادلاته الداخلية وفق نتائج المواجهة الكبرى على الطاقة، التي باتت تشكل العصب الحقيقي للصراع على النظام العالمي الجديد.

داوود رمال -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا