بين "الأستاذ الموظف" و"الأستاذ المُربي"... ايّ أجيال تتخرّج من المدارس؟!
غالبا ما يطرح الملف التربوي من زاوية الاقساط المدرسية او الرواتب او حتى مواكبة التكنولوجيا والتطور، لكن نادرا ما يطرح من زاوية قدرة المعلمين على التعاطي مع الطلاب من مختلف الفئات العمرية من الطفولة الى المراهقة... الامر الذي يطرح اشكالية الفرق بين "الاستاذ الموظف" و"الاستاذ المُربي"... فالتربية رسالة انسانية تصقل حياة الطلاب لا تعاقبهم...
صحيح ان اساليب العقاب الجسدي قد اختفت بشكل شبه تام، لكن ايضا لم تحلّ مكانها – تحديدا عند بعض الاساتذة- الصفات السامية التي يفترض ان يتحلى بها "المُربي"، في عصر التطور التكنولوجي وسهولة الوصول الى المعلومات، وتغير سلوك الاطفال والاولاد...
مصدر تربوي، يختصر هذه النقطة الجوهرية، بالقول: الأزمة التربوية الحقيقية ليست مادية أو تقنية فحسب، بل هي أزمة دور وهويّة، مميزا بين نقل المعلومة وبين بناء الإنسان.
الأستاذ "الموظف"، هو الممنهج بشكل الميكانيكي، مثله مثل اي موظف اداري في مصرف او شركة او حتى ادارة المدرسة... يحدد اهدافه بإتمام الساعات الدراسية، إنهاء المنهج، وتصحيح الامتحانات، وفي طريقه الى تحقيق هذه الاهداف يتعامل مع الطالب كـ "رقم" يطبّق القوانين بجمود دون مراعاة الاختلافات النفسية بين الاولاد. وبالتالي هو يفتقر للمرونة اللازمة في التعامل مع تقلبات المراهقة أو احتياجات الطفولة.
اما الأستاذ "المُربي - الإنساني"، فأصبح وجوده نادرا، لانه يجهد لغرس القيم، بناء الشخصية، واكتشاف المواهب، وليس خفيا ان مهمته صعبة وتحتاج الى موهبة وإتقان، كونه يدرك أن لكل "انسان" لغة خاصة. وهذا ما يتطلب مجهوداً ذهنياً ونفسياً مضاعفاً، اذ يمتص ضغوط الطلاب ويحولها إلى طاقة إيجابية، متجاوزاً حدود "الوظيفة".
وبالنظر الى واقع هاتين الفئتين، ندرك اسباب "فجوة التواصل" التي تؤدي غالباً الى نفور الطالب ومن خلفهم الاهل... لذا يُعد التأهيل النفسي للمعلم حجر الأساس قبل دمج أي أدوات تكنولوجية، فالوسائل الحديثة مجرد "مُسرعات"، والسرعة دون توجيه نفسي سليم قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وفي ظل غياب هذا التأهيل النفسي، يبرر الاساتذة فشلهم في ادارة الصف بحجج منها كثرة العدد او قلة التهذيب او الفوضوية... وصولا الى تشخيص الطفل "المشاغب" بالاصابة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، اذا غالبية الأساتذة لم يتلقوا تدريباً كافياً للتمييز بين أعراض ADHD وبين ردود الفعل الناتجة على سبيل المثال عن "الملل الشديد" كون " طفل ذكي" يسبق المنهج فيشعر بالضجر فيتحرك. كما يفوتهم ان طاقة الاولاد الحركية في سن معينة هي دليل صحة وليست مرضاً.
وبالتالي بدلاً من بناء علاقة "مُربي" تتفهم احتياجات الطفل، يميل "الموظف" إلى الحلول المعلبة التي تبدأ بتقرير طبي، يمنحه مبرراً قانونياً لتجاهل احتياجات الطالب "الخاصة" داخل الفصل، فالتشخيص السريع غالباً ما يكون آلية دفاعية يلجأ إليها المعلم لحماية هدوء الفصل وإتمام مهامه الوظيفية.
كما لا بد من الاشارة انه على المقلب الآخر من التكنولوجيا، تحول بعض الاستاذة الى نجوم السوشيل ميديا، فأين القدوة عندما يشاهد الطالب أستاذه يرقص بجنون ويؤدي حركات مضحكة أو يشارك في "تحديات" تافهة (Challenges) على تيك توك؟ ألا يسقط في نظره كمرجع أخلاقي وعلمي؟ ألا يتحول الأستاذ من مصدر إلهام إلى مصدر تسلية، وعندها من الصعب جداً استعادة الجدية داخل الفصل بعد نوبة ضحك جماعية على فيديو للاستاذ متناقل على مجموعة الواتسآب ليلة أمس.
ومن التحديات ايضا، فارق العمر بين الاستاذ والطالب، حيث تكون "الخيارات دقيقة للغاية"، فعلى سبيل المثال: عندما يكون الأستاذ في عمر 22 أو 23، فهو تقنياً خرج لتوه من مرحلة المراهقة، بينما الطلاب (13-14 سنة) في ذروة المراهقة المبكرة، وبالتالي يطرح السؤال: كيف ستكون ادارة الصف؟ اذ غالباً ما يحاول الأستاذ إثبات جدارته واحترافيته، لكن الطلاب قد يروه شخصاً قريباً منهم جيليا، مما يجعلهم: يحاولون اختبار الحدود (Testing boundaries) بشكل أكبر من المعتاد، كما يشعرون بجرأة أعلى في المزاح أو تجاوز الرسميات. وميول الطلاب هذه تتجلى اكثر لا سيما اذا افتقر الاستاذ الى مهارات القدوة والتجربة والقدرة، وهذا الامر قد يكون طبيعيا نظرا لغياب فترة الخبرة الكافية.
في الخلاصة: التعليم بلا تربية هو مجرد "محو أمية"، بينما التربية هي التي تمنح العلم قيمته، وتخرّج جيلا مبدعا.
والرسالة الى المدارس واهل والاساتذة - المربين "البداية دائماً من الإنسان".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|