أسئلة وجودية يسألها أهل الجنوب...فمن يجيب؟
لم يستطع أهل الجنوب أن يفهموا حتى الآن لماذا هم مستهدَفون بأرواحهم وممتلكاتهم بصواريخ المسيرات الإسرائيلية، التي تلاحقهم كل يوم أينما وجدوا وكأن تنقّلهم بحرية في الأماكن المفترض أن تكون محمية قد أصبح محرّمًا عليهم. فأي تحرّك قد يعتبره الرصد
الإسرائيلي مشبوهًا، حتى من دون وجه حقّ، هو تحرّك محفوف بالمخاطر والمجازفة، إذ يُعتَبر كل جنوبي، سواء أكان منتميًا إلى "حزب الله" أو لم يكن له هذا الانتماء، هو مشروع شهيد، ولكن ليس على طريق القدس هذه المرّة، ومن دون أن يجد من يحميه من غدر هذا العدو، خصوصًا أنه لا يزال يسمع أن سلاح "حزب الله" هو الذي يحميه كما يحمي كل لبناني في أي مكان وُجد.
وكما كان أهل الجنوب وقودًا في حرب إسناد غزة، قد تُعاد الكرّة في حال تعرّضت إيران لأي هجوم أميركي – إسرائيلي، وقد يُقال إن إدخال لبنان في حرب لا قدرة له على خوضها أو على تحمّل نتائجها الكارثية، كما قيل في حرب الاسناد الأولى، هو أن هذه الحرب جاءت على رغم إرادة مريديها، وهم يعلمون، قبل غيرهم، علم اليقين، أن زجّ لبنان في أي حرب لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد قد تعني الكثير لمن عانى من حرب الاسناد الأولى. وهنا تحضرني سالفة عراقية تُروى، وقد سمعتها شخصيًا عندما زرت بغداد عقب حربها مع إيران. تقول السالفة إن في كل بيت عراقي تُعلق على جدرانه ثلاثة رموز، وهي عبارة عن سيف وبندقية و"خازوق". السيف هو رمز القادسية الأولى، والبندقية هي رمز القادسية الثانية. أمّا "الخازوق" فهو سيكون من نصيب كل من يحاول افتعال قادسية ثالثة. ليس المقصود من هذه السالفة سخرية ما بقدر ما هي تحذير تاريخي من أن الأمم التي لا تتعلّم من كلفة حروبها، محكومة بتكرارها بثمن أعلى كلفة في كل مرة.
فأهل الجنوب لم يعودوا يسألون عن السياسة، وهي لا تعنيهم كثيرًا، بقدر ما يسألون عن حياتهم اليومية. لم يعودوا معنيين بالتحليلات الكبرى ولا بخطوط الاشتباك الإقليمية، بل بسؤال بسيط وموجع، وهو: لماذا أصبحوا هدفًا مفتوحًا؟ لماذا تحوّلت قراهم إلى مساحة رماية دائمة للمسيّرات الإسرائيلية، تلاحقهم في الطرقات، في البيوت، في الحقول، وكأن مجرد تنقّلهم في أرضهم هو فعل مشبوه يستحق العقاب؟
فكل جنوبي اليوم يعيش تحت معادلة قاسية، وهي أن أي حركة قد تُفسَّر خطأ تعني احتمال الموت. لا فرق فعليًا بين من ينتمي إلى "حزب الله" ومن لا ينتمي. في عين الرصد الإسرائيلي الجميع مشروع هدف. وهنا تتولّد المأساة الحقيقية. فالناس الذين قيل لهم إن السلاح موجود لحمايتهم، يجدون أنفسهم مكشوفين أكثر من أي وقت مضى. فالفجوة بين الخطاب والواقع لم تعد مجرد سرد سياسي، بل تجربة يومية تُقاس بعدد
الشهداء، الذين يسقطون في غير ساحات القتال، والبيوت المهدّمة والعائلات التي تعيش على حافة النزوح الدائم.
وكما كان الجنوب وقودًا في حرب إسناد غزة، يخشى كثيرون أن يُعاد السيناريو نفسه إذا انفجر صراع أكبر بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، على رغم الحديث عن تقدّم مسرى المفاوضات. فإذا فشلت هذه المفاوضات واندلعت الحرب عندها لن تكون محدودة ولا موضعية، ولن يدفع ثمنها الجنوب وحده، بل لبنان كله. وهذا ما يجعل الخوف مضاعفًا، أي الخوف من حرب لا يملك اللبنانيون قرارها، ولا يملكون القدرة على تحمّل نتائجها.
والسؤال الذي يطفو على صفيح هذا المشهد ليس عسكريًا فقط، بل دستوري ووجودي، وهو عن الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ هل هو قرار دولة تمثّل جميع مواطنيها وتتحمّل أمامهم مسؤولية الدم والخراب، أم قرار جهة، مهما كبرت قوتها، يبقى في النهاية قرار جزء من الوطن لا قراره كله؟ المشكلة ليست في الشعارات، بل في أن الحرب حين تقع لا تسأل عن الاصطفافات. هي تضرب الجميع، وتحوّل المدنيين إلى فاتورة مفتوحة.
الناس لا تحاسب على النظريات، بل على النتائج. والنتيجة اليوم أن قرى بكاملها تعيش على إيقاع الخوف، وأن شبابًا باتوا يرون مستقبلهم خارج أرضهم، وأن مجتمعًا كاملًا بدأ يتعب من فكرة التضحية الدائمة. هذا التعب ليس خيانة ولا انقلابًا على قناعة، بل رد فعل بشري طبيعي أمام دورة لا تنتهي من الحروب.
فلبنان يقف اليوم أمام هذا المفترق بالذات. إما أن يتحول الجنوب قدرًا دائمًا للحروب، وإما أن يصبح النقاش حول الحرب والسلم نقاشًا وطنيًا صريحًا لا يكتفي بالشعارات ولا يُختصر بالتخوين. لأن السؤال الذي يهمس به الجنوبيون، وإن لم يُقل علنًا، وهو بات أكبر من السياسة نفسها: من يحمي الناس عندما تصبح الحروب أكبر من طاقتهم وأصغر من أن تغيّر وجه المنطقة؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|