إلى المفاوضات بعربة الموتى
حين دخل جنود الاحتلال الى برلين، لم يطلقوا النار على أطفال المدينة ثأرًا لأطفالهم الذين قضوا تحت الأنقاض، ولم يهدموا حائطًا انتقامًا لمنازل ذويهم الذين تحولوا الى أشلاء، بل راحوا يكنسون الشوارع من الركام، ويوزعون الحليب على الأمهات، حتى إن “عش النسر” حيث كان يقيم الفوهرر، بعد “وكر الذئب”، تحول الى مطعم سياحي. وحين زار كاهن كاثوليكي احدى الثكنات، قال أمام الجنود “لم يكن السيد المسيح ينتعل حذاء مثل أحذيتكم الثقيلة، لكنه كان يحمل قلبًا مثل قلوبكم”!...
هذا النوع من البشر تليق بهم ثقافة الأيدي الممدودة، بعدما غسلوا أيديهم من الدم، وواروا الموتى في الثرى. ولكن لنقول لدعاة السلام مع “اسرائيل” في لبنان، ودون أن يكون هناك الحد الأدنى، حتى من التوازن الأخلاقي بين الجانبين (ومتى فعل اللبنانيون “بالاسرائيليين” ما فعله وما يفعله بهم “الاسرائيلون” اليوم؟). أي نوع من السلام، حين يدمرون كل بلدات الشريط الحدودي، بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، وهم ماضون وبشكل يومي في القتل والتدمير على امتداد الخريطة اللبنانية، لتتركز غاراتهم الآن على منازل الآمنين، وكذلك على المؤسسات المعنية باعادة الاعمار، ودون أن تطلق رصاصة واحدة من الجانب اللبناني.
أي سلام ذاك مع هولاكو القرن، ونحن في دولة تعاني من التصدعات الطائفية القاتلة، ومن انهيار كل مؤسسات الدولة، وقد احترفنا التسكع عند أبواب الصناديق أو على أبواب القصور. ومثلما هناك، ومن كل الطوائف، من هو مسستعد أن يحمل البندقية أو حتى الحجارة للتصدي للغزو، هناك من هم مستعدون لنثر الورود على الغزاة، ما دامت الوعود تتوزع بين اقامة الكانتونات الطائفية، وشق الطريق أمام أحدهم الى قصر بعبدا. أكثر بكثير من أن تكون الزبائنية السياسية.
لا حدود لهيستيريا الدم (أو ايديولوجيا الدم) التي تحكم العقل السياسي في “اسرائيل”. كنا نتحدث عن السلام الأميركي (Pax Americana) كرديف للسلام الروماني (Pax Romana). الآن “السلام الاسرائيلي” (Pax Israeliana) كرديف للسلام الاسبارطي أو للسلام المغولي.
الأميركيون راهنوا في البداية على دخول لبنان الى ردهة المفاوضات عبر البوابة السعودية، قبل أن يضع الأمير محمد بن سلمان ذلك الشرط المستحيل باقامة الدولة الفلسطينية، وقد هاله كلام بنيامين نتنياهو عن كونه في “مهمة روحية”، انشاء “اسرائيل الكبرى” بالحدود التوراتية، التي تدفع بها الى التماس مع حقول النفط الخليجية. ثم راهنوا، وما زالوا يراهنون، على دخولنا من البوابة السورية، بعدما اندفعت سلطة التغيير (والتحرير) في دمشق الى أبعد الحدود، في عرض التعاون مع “اسرائيل” ضد “العدو المشترك”، بطبيعة الحال اللاءات السعودية كانت مؤثرة، وكذلك الرهانات التركية. والأهم ردة فعل الشارع الذي لم يكن ليتخيّل أن تجثم دبابات الميركافا على أبواب المدينة (المقدسة). وكنا قد اشرنا الى احتضانها “الأقانيم” الثلاثة، قوة الذراع (صلاح الدين الأيوبي)، وقوة العقل (أبو نصر الفارابي) وقوة الروح (محيي الدين بن عربي).
الآن يريد “الاسرائيليون” جر اللبنانيين بعربة الموتى الى ردهة المفاوضات. ربما لتشييع الجمهورية، التي تعدت مئة العام بعد ولادتها في قصر فرساي، واعلان قيامها في قصر الصنوبر. ليفاجئنا توم براك الذي يأخذ شكل الحرباء حين يزور “اسرائيل”، وشكل الأفعى حين يزور لبنان، بأن الائتلاف اليميني ألقى باتفاقية سايكس ـ بيكو في صندوق القمامة، أي موت الدول التي أقامتها تلك الاتفاقية. النتيجة أن نكون أمام هذا الخيار، اما صندوق القمامة أو المقبرة...
منذ مراسلات دافيد بن غوريون وموشي شاريت في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، والنظرة الى لبنان كـ”دولة غير قابلة للبقاء”، على أنه الحلقة الضعيفة بين “دول الطوق”. لكن الزلزال الذي هز عظام تيودور هرتزل، وحتى عظام اشعيا بن نون، هو نجاح المقاومة في لبنان وللمرة الأولى في ما كان يدعى “الصراع العربي ـ الاسرائيلي”، في اجتثاث الاحتلال عام 2000، ليكون الثأر الآن، وبعد الانهيار الكامل لـ”الحالة العربية”، بتلك الطريقة التي تعدت كل بربريات التاريخ...
مسلسل القتل والتدمير باق على ايقاعه الحالي. “الميكانزم” التي نتمسك ببقائها (تمسك الغريق بالقشة) “شاهد ما شافش حاجة”. الأميركيون لا يعترضون، بل هم يمارسون الضغط على لبنان وبكل الوسائل، لكي يرفع الرايات البيضاء. تصوروا أنهم الوسطاء. أي مهزلة هذه، حين يقول موقع “واللا” ان “اسرائيل” والولايات المتحدة “تعملان على مستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري”، الذي كيف يمكن فصله عن التنسيق السياسي، وأيضا التنسيق الديبلوماسي.
كل الشرق الأوسط الآن عالق ومعلق على مفاوضات الجمعة في تركيا بين واشنطن وطهران، وهذا ما سبق وتفردت “الديار” بتوقع حصوله. اللافت هنا، اللهجة العالية للايرانيين، وان كان ما يقال في الضوء غير ما يقال في الظل، بعدما بات الجميع على يقين أن الحرب ستأخذ هذه المرة منحى أبوكاليبتيًا، يكاد يوحي بنهاية العالم.
لدى السناتور لندسي غراهام (“ألحاخام” الأكبر في الكونغرس) هذا الحل الصاعق: الجراحة النووية كسبيل وحيد لبقاء الدولة العبرية. لا جدوى للدول الأخرى...
نبيه البرجي -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|