تفادي الحرب على إيران لا يلغي الحرب على “الحزب”
استثمرت إيران طويلاً في تهديد جيرانها، كما في تهديد شعبها، وحين اشتدّ الضغط الأميركي عليها أخيراً راحت تلجأ إلى كل دولة قادرة على التأثير في واشنطن كي تساعدها على منع الحرب. وإذ باتت دول الإقليم متيقّنة بأن الخطر الخارجي للقوة الإيرانية تراجع نسبياً، إلا أن خطرها على الداخل الإيراني تعاظم، ففي ليلتين فقط من كانون الثاني قتلت السلطات آلاف الإيرانيين، كما ظهرت للمرة الأولى أسلحة في أيدي متظاهرين تعمّدوا إسقاط أفراد من سلطة القمع. وأدّت تهديدات دونالد ترامب بضربات تستهدف النظام، لتغييره أو إسقاطه، إلى تهديدات إيرانية مقابلة بضرب القواعد الأميركية في المنطقة، وقد شكّلت هذه القواعد هدفاً/ حلماً استراتيجياً دائماً لإيران وحرسها الثوري.
كما أن احتمالات الحرب أعادت تظهير انقسامات الداخل وتعدّد عرقياته، لكن هذه المرّة مع توقّعات بحصول انشقاقات وإشعال حروب أهلية تهزّ الاستقرار الإقليمي، لأن كل مكوّن إيراني (أذري، كردي، بلوشي، تركماني، عربي…) له جذور وارتباط بالدول المجاورة، ما ينذر بتدفّق موجات من اللاجئين إلى هذه الدول التي ترتبط حالياً بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة.
قد تحصل الحرب الأميركية على إيران ولا تحقق هدفها الرئيسي المعلن، أي تغيير النظام، وقد لا تحصل ويُستعاض عنها بمفاوضات تؤجّل الحرب إلى حين، غير أن طهران، التي تسعى إلى اتفاق يبعد الخطر عنها، لا تزال تتحدث إعلامياً (تصريحات وزير خارجيتها) عن منهجية تفاوضية غير مقبولة من جانب واشنطن. فالمعروف أن ترامب طلب سابقاً، ويطلب الآن، اتفاقاً شاملاً وسريعاً، ولا يمكن أن يُبرم إلا إذا لبّى الشروط الأميركية (لا تخصيب لليورانيوم، برنامج نووي محدود وغير قابل للتطوّر إلى سلاح، تقنين البرنامج الصاروخي وقدراته، والتزام بتحجيم الميليشيات الموالية لإيران)، أي أن مفاعيل الاتفاق ستضعف النظام من دون إسقاطه، وستضاهي عملياً نوعاً من “الاستسلام”، من دون أن يضمن للنظام نجاةً كاملة ونظيفة من مأزقه، لأن التدخلات ستستمر.
إذا لم تحصل الحرب، وهذا احتمال لم يعد مستبعداً بسبب اعتراضات جدّية من السعودية وتركيا وباكستان، فأميركا – ترامب لديها مصالح ضخمة، قديمة ومستجدّة، في المنطقة ولا تريد تعريضها لأزمة إقليمية تنعكس على استقرار الدول الصديقة. لكن انحساراً موقتاً لاحتمالات الحرب، لمصلحة التفاوض مع إيران، لا يمنع مواصلة السياسات الأميركية للتضييق على النظام من خلال الضغط على أذرعه الإقليمية. ومن ذلك إبقاء سيف الحرب الإسرائيلية الموسّعة مسلّطاً على “حزب إيران/ حزب الله” في لبنان. بل إن هذه الحرب أصبحت أمام سيناريوهين متاحَين لإسرائيل: إمكان اندلاعها في حال تحرّك “الحزب”، ولو من دون جدوى، لـ”إسناد إيران” إذا هوجمت، وإمكان اندلاعها إذا تأمّنت لدى ترامب أسباب تدفعه إلى التخلّي عن مهاجمة إيران أو تأجيلها.
تنطبق على العراق الظروف نفسها، فكثير من المراقبين يعتبرون أن تدوينة ترامب على منصته “تروث سوشال”، وإن كانت سياسية، شكّلت طلقة أولى في الحرب على إيران. ذلك أن “الفيتو” الترامبي على ولاية ثالثة لنوري المالكي في رئاسة الحكومة العراقية موجّه مباشرة إلى طهران ونفوذها المستمر على بغداد. كثيرة هي التشابهات بين حالَي لبنان والعراق، مع فارق أن الأول غارق في أزمة اقتصادية – مالية تتطلّب مساعدات خارجية ولا إمكانات لديه، أما الآخر فلديه موارد وإمكانات لكن الميليشيات تمتصها وتبقي البلد في أزمة قائمة منذ أكثر من عقدين. يعاني البلدان من أتباع إيران واستقوائهم على الدولة ومؤسساتها، وكما أن لبنان مُطالب بحصر سلاح “الحزب” كي يستحق المساعدة، كذلك العراق مُطالب ليس فقط بنزع سلاح ميليشيات “الحشد الشعبي” وتفكيكها، بل أيضاً بعدم تمثيلها في تشكيل الحكومة، كي لا تُفرض عليه عقوبات. ومع اقتراب سحب آخر وجود عسكري أميركي من العراق، يصبح الحفاظ على التوازن في العلاقة مع واشنطن وطهران مسؤولية أكثر تعقيداً، وبما أن ترامب صنّف المالكي تابعاً لإيران بـ”سياساته وأيديولوجيته المختلّة”، فإن سعي الأخير إلى إعادة تسويق نفسه أميركياً سيتطلّب منه التزامات وتعهّدات قد تُفقده “البركة” الخامنئية، وإذا حاول التلاعب قد يوقعه لاحقاً في مطبّات أميركية لا يستطيع تحمّلها.
رغم حاجتها إلى التخلّص من التهديد بالحرب عبر التفاوض، لا تزال طهران تحاول حصر الخلاف مع الولايات المتحدة بالبرنامج النووي، واعتبار البرنامج الصاروخي غير قابل للتفاوض، ورفض مناقشة ملف الأذرع الإقليمية. غير أن التنازل في الملف النووي لم يعد كافياً بالنسبة إلى ترامب، لا لـ”تطبيع العلاقات” ولا للتفكير في رفع ملموس للعقوبات. ثم إن استمرار تمسّك إيران بقدرات ترسانتها الصاروخية سيدفعه حتماً إلى تفويض إسرائيل ومنحها الإمكانات للتعامل معها، أما التهرّب من استحقاق التخلّي عن دعم ميليشيات “حزب الله” و”الحشد الشعبي” و”الجماعة الحوثية” فيعني أن إيران تريد الاحتفاظ بأوراق للعبث باستقرار دول الإقليم، وهذه وسيلة قد تكون لواشنطن (وإسرائيل) مصلحة في بقائها واستخدامها بشكل أو بآخر.
عبد الوهاب بدرخان - لبنان الكبير
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|