القرار النهائي بشأن الإضراب يصدر اليوم.... انقسام يعكس حجم المأزق!
جغرافيا حسّاسة وأرقام مُقلقة... واستنفار لبناني سياسي وأمني
منذ انتهاء الحرب الأهلية، تحولت المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى "مساحات جغرافية" ضيقة شديدة الحساسية، محكومة بتوازنات دقيقة بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية. اليوم، ومع الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، تعود هذه المخيمات إلى واجهة القلق الوطني، لا بوصفها عبئا ديموغرافيا فحسب، بل كمساحات قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وفق التعداد الرسمي اللبناني – الفلسطيني المشترك عام 2017، يبلغ عدد الفلسطينيين المقيمين فعليا نحو 174 ألف لاجئ، مقابل ما يقارب 489 ألفا مسجلين لدى "الأونروا". هذا الفارق العددي الذي يتجاوز 315 ألف شخص، يعكس تحولات عميقة في البنية السكانية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تضارب سياسي وأمني في تقدير حجم المخيمات وتأثيرها الفعلي.
بعد اتفاق الطائف عام 1989، تراجع الدور العسكري الفلسطيني المنظم خارج المخيمات، لكن السلاح بقي داخلها. في التسعينيات، قُدّر عدد المسلحين الفلسطينيين بنحو 25 ألف عنصر، قبل أن ينخفض تدريجيا مع خروج مقاتلين وتفكك تشكيلات، إلا أن اوساطا أمنية لبنانية معنية تؤكد لـ "الديار" أن "السلاح الفردي لم يختفِ، بل أعيد توزيعه اجتماعيا، ليصبح جزءا من الحياة اليومية في بعض المخيمات الكبرى".
هذا التحول جعل المخيم أقل انضباطا فصائليا، وأكثر عرضة للاشتباكات العشوائية، خصوصا مع بروز مجموعات صغيرة غير منضبطة، لا تخضع لقرار مركزي واضح.
اقتصاديا، تعيش المخيمات واحدة من أسوأ مراحلها. تقديرات "الأونروا" نفسها تشير إلى أن أكثر من 65% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت خط الفقر، فيما تصل البطالة بين الشباب إلى ما بين 18 و22%، مع تسجيل نسب أعلى في مخيمات الشمال.
ويقول مسؤول في حركة فتح – بيروت أبو خالد لـ "الديار": "حين ينهار الوضع المعيشي، تصبح الخلافات السياسية تفصيلا. الناس تبحث عن الأمان والخبز، لا عن البيانات الفصائلية".
ويبقى مخيم عين الحلوة المؤشر الأخطر. المخيم الذي يضم ما بين 70 و75 ألف نسمة، شهد منذ عام 2017 وحتى اليوم أكثر من 10 جولات توتر مسلح، أوقعت، بحسب مصادر طبية فلسطينية، أكثر من 40 قتيلا ونحو 200 جريح، فضلا عن نزوح موقت لآلاف العائلات إلى صيدا والجوار.
أبو يوسف، قيادي في حركة حماس – صيدا، يؤكد أن "المخيم يعيش فوق طاقته الديموغرافية"، مشيرا إلى أن "الاكتظاظ والسلاح والفقر خليط قاتل، وأي رصاصة طائشة يمكن أن تشعل مواجهة لا يريدها أحد".
تقديرات الأجهزة الأمنية اللبنانية تشير إلى وجود آلاف قطع السلاح الفردي داخل المخيمات، إضافة إلى أسلحة متوسطة محدودة الانتشار. ورغم أن هذا السلاح نادرا ما يُستخدم خارج المخيمات، إلا أن القلق الرسمي يتركز على احتمال تسرب التوتر إلى محيطها، خصوصا في المدن المختلطة كصيدا وطرابلس.
ويقول مصدر أمني لبناني رفيع لـ "الديار": "لدولة لا تريد ولا تستطيع الدخول إلى المخيمات بالقوة، أي تدخل مباشر قد يفتح مواجهة واسعة. الخيار الوحيد هو الاحتواء ومنع انتقال النار إلى الخارج".
سياسيا، تعتمد الدولة اللبنانية مقاربة تقوم على خط أحمر واضح: أمن اللبنانيين خارج المخيمات. لذلك، تشدد القوى الأمنية إجراءاتها على المداخل، وتلاحق المطلوبين فور خروجهم، فيما تترك إدارة الداخل لمسار الحوار الفلسطيني – الفلسطيني، برعاية لبنانية غير معلنة.
لكن مصادر رسمية تعترف بأن هذه السياسة، رغم نجاحها النسبي، باتت مهددة بفعل الانهيار الاقتصادي، وتراجع قدرة الدولة على لعب دور الضابط غير المباشر.
هنا، يبرز دور لجنة الحوار اللبنانية – الفلسطينية، التي تكثف اجتماعاتها منذ عامين. اللجنة وفق أرقامها، عقدت عشرات اللقاءات مع الفصائل، ونجحت في احتواء أكثر من أزمة، خصوصا في عين الحلوة والبداوي.
ويقول عضو في اللجنة لـ "الديار": "ننجح في تبريد الاشتباك، لكننا لا نملك عصا سحرية. من دون دعم اقتصادي وخدماتي حقيقي، سنبقى نطفئ حرائق لا تنتهي".
ومن داخل المخيمات، ترتفع أصوات تعبّر عن هوة عميقة بين القيادات والشارع. محمد، شاب من مخيم البداوي، يقول إن "الشباب هم وقود كل مواجهة"، مضيفًا: "نموت في اشتباكات لا نقررها، ونعيش فقراء بلا أفق".
بين سلاح لم يُنزع، وفقر يتعمق، وخلافات فلسطينية تتجدد بأشكال مختلفة، تقف المخيمات الفلسطينية في لبنان على حافة معادلة خطرة. الدولة اللبنانية تدرك حجم المخاطر، لكنها تراهن على الوقت والحوار. غير أن الأرقام والمعطيات الميدانية توحي بأن الوقت لم يعد مفتوحا، وأن أي شرارة صغيرة قد تعيد المخيمات إلى قلب العاصفة، مع ما يعنيه ذلك من ارتدادات أمنية على لبنان كله.
علي ضاحي - الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|