الصحافة

جيل بلا طفولة: مراهقو لبنان يتحملون أعباء الكبار

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بينما يُفترض أن تكون السنوات بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة مرحلة للعب والدراسة واكتشاف العالم، يجد آلاف المراهقين اللبنانيين أنفسهم مضطرين لتحمل مسؤوليات تفوق قدراتهم. هؤلاء الأطفال أصبحوا رعاة لإخوتهم، أرباب ميزانيات منزلية، ومتخذي قرارات حياتية كبرى نتيجة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي اجتاح لبنان في السنوات الأخيرة.

تشير أحدث إحصاءات "اليونيسف" إلى أن التأثير المتفاقم للأزمات على حياة الأطفال لم يعد مجرد رقم يُذكر في تقارير، بل أصبح واقعًا يوميًا يغيّر مصير أجيال كاملة. في مسح وطني جرى في تشرين الثاني 2023، أفاد أكثر من ربع الأسر اللبنانية (26 %) بأن لديهم أطفالًا في سن الدراسة لا يحضرون إلى المدرسة، ارتفاعًا من 18 % قبل نصف عام، ما يعكس اتساع دائرة التسرب المدرسي وسط تراجع القدرة على تغطية التكاليف الأساسية مثل النقل والكتب والوجبات المدرسية. كما أظهرت البيانات أن 16 % من الأسر أرسلت أطفالها للعمل لتكملة دخل الأسرة، ارتفاعًا من 11 % في تقييم سابق، في حين يضطر أكثر من ثمانٍ من كل عشر أسر (84  %) إلى الاقتراض أو الشراء بالدين لتأمين المواد الغذائية الأساسية، وتراجع الإنفاق على العلاج إلى حد كبير. ولا يقتصر الضرر على التعليم والاقتصاد، بل يمتد إلى الصحة النفسية للأطفال؛ إذ صرّح ما يقرب من 38  % من الأسر أن أطفالها يعانون من القلق، بينما يعاني 24  % منهم من اكتئاب متكرر يوميًا كنتيجة مباشرة للضغوط المتعددة التي تواجههم في حياتهم اليومية.

شهادات حية من قلب الأزمة

تروي ريم، 14 عامًا، في حديث مطوّل مع "نداء الوطن": "أستيقظ كل صباح الساعة الخامسة لأحضر الطعام قبل المدرسة، وأحرص على أن يكون إخوتي الصغار قد تناولوا شيئًا قبل الذهاب. بعد ذلك أذهب إلى المدرسة، وأحاول التركيز، لكن عقلي مشغول بالمهام التي تنتظرني بعد العودة. أحيانًا أشعر بأنني أعيش حياة لا تخصني، وأن طفولتي تتلاشى أمام عينيّ. أحلم أحيانًا باللعب أو القراءة كما يفعل أصدقائي، لكن هذه الأمور تبدو بعيدة جدًا، وكأنها حياة شخص آخر".

وتضيف ريم بصوت مخنوق قليلًا بالحزن: "أحيانًا أضطر للعمل في محيط المنزل، أو مساعدة والدتي في بيع بعض الأشياء لسد حاجات البيت. أشعر بتعب مستمر، لكن ليس لدي خيار آخر".

أما يوسف، 16 عامًا، من حي شعبي في بيروت فيقول لـ "نداء الوطن": "المدرسة أصبحت رفاهية بالنسبة لي، أحيانًا لا أستطيع حضور الحصص، لأن عليّ العمل بعد الظهر لدفع فواتير الكهرباء والإنترنت. كل يوم يمثل تحديًا جديدًا، وأحيانًا أشعر أنني أحمل عبء والدين لم أطلبه، وكأنني مُجبر على أن أصبح بالغًا قبل أن أنضج نفسيًا".

ويستدرك يوسف: "الضغط النفسي دائم. أحيانًا أعود إلى المنزل مرهقًا جدًا، وأجد أن عليّ ترتيب البيت، مساعدة إخوتي في واجباتهم، أو الذهاب لشراء حاجيات الأسرة. أصدقائي يتحدثون عن أحلامهم، وأنا أحاول فقط البقاء على قيد الحياة".

من جهتها، تشرح أمينة، أم لثلاثة أطفال، متأثرة بالحياة اليومية المرهقة: "ابنتي الكبرى مسؤولة عن إخوتها منذ أن بدأ الوضع الاقتصادي يتدهور، وأنا مضطرة للعمل لساعات طويلة خارج المنزل. أراها أحيانًا تنهار من التعب، لكنها لا تشتكي لأنها تعرف أننا نعتمد عليها. أخشى أن تنمو بلا طفولة، بلا وقت للعب أو التعلم، وأن تحمل أثقال الحياة قبل أوانها".

وتتابع أمينة: "في بعض الليالي أجدها تبكي في سريرها بعد أن ينام إخوتها، وهي تشعر بالضغط الكبير. أحاول أن أواسيها، لكنني أعلم أن الحل لا يأتي إلا بتحسن الوضع الاقتصادي. كل يوم أصارع لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتنا، وأشعر بالعجز أمام المسؤولية الكبيرة التي تقع على كاهلها، وهي طفلة صغيرة".

الآثار النفسية والاجتماعية للضغوط المبكرة

يشير خبراء الصحة النفسية والاجتماعية إلى أن تحميل الأطفال والمراهقين مسؤوليات الكبار قبل أوانهم، لا يقتصر تأثيره على الجوانب المادية فقط، بل يتغلغل عميقًا في نسيج نموهم النفسي والعاطفي والاجتماعي. فحين يُجبر الطفل على العمل لساعات طويلة أو اتخاذ قرارات مالية وحياتية تقليديًا من نصيب الراشدين، فإنه لا يختبر مراحل الطفولة الطبيعية المرتبطة باللعب، والإبداع، والتعلّم غير المقيّد بالضرورات اليومية، بل يتخطاها مباشرة نحو ما يُعرف بالتحميل النفسي المبكر. هذا التحميل يعطل تطور آليات التكيّف الصحية، ويزيد من احتمالات ظهور اضطرابات القلق واضطرابات المزاج مثل الاكتئاب، إذ تشير الأبحاث النفسية إلى أن الأطفال الذين يخضعون لضغوط مماثلة يكونون أكثر عرضة للمعاناة من نوبات قلق مزمنة، تشتت في الانتباه، وصدمات نفسية صغيرة متراكمة يمكن أن تتعمّق مع الوقت. كما إن الانشغال الدائم بالمسؤوليات، يحرم هؤلاء المراهقين من فرص بناء شبكات علاقات اجتماعية متوازنة مع أقرانهم، وهو ما يعد عنصرًا أساسيًا في تنمية الذكاء الاجتماعي، والقدرة على تكوين صداقات صحية وعلاقات دعم نفسي في المستقبل.

وتُظهر دراسات عالمية أن هؤلاء الشباب، عند انتقالهم إلى مرحلة البلوغ، يواجهون معدلات أعلى من العزلة الاجتماعية، تراجع الثقة بالنفس، صعوبات في الاندماج في بيئات العمل والعلاقات الأسرية، واحتمالات أكبر للإصابة بالفقر والتهميش المهني والاجتماعي مقارنة بنظرائهم الذين نشأوا في بيئة طفولة مستقرة. وفي السياق اللبناني، يصف المعالجون النفسيون هذه الظاهرة بـ "الجيل المفقود"، جيل يكبر بسرعة على حساب نموه النفسي والعاطفي، محمّلًا بعبء ثقيل لم يكن من المفترض أن يتحمله في هذا العمر الصغير، ما يجعل مستقبلًا من التفاؤل والإنجاز أكثر هشاشة، ومحملاً بتحديات قد تمتد لسنوات طويلة حتى بعد نهاية الأزمة الحالية.

حين تتحول الطفولة إلى عبء

تتجلى مأساة هؤلاء الأطفال في تفاصيل يومية تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها اختفاء الطفولة بصمت. فتاة في الرابعة عشرة من عمرها تنهي دوامها المدرسي لتتوجه مباشرة إلى السوق، حيث تبيع منتجات بسيطة لساعات طويلة لتأمين وجبة المساء لعائلتها، بينما تراقب أقرانها من بعيد وهم يضحكون ويعودون إلى منازلهم بلا همّ. في منزل آخر، تتحول فتاة تبلغ خمسة عشر عامًا إلى عمود البيت اليومي؛ توقظ إخوتها، تطبخ لهم، تنظف المنزل، وتدير شؤون العائلة الصغيرة، فيما والدها يتنقل بين الأبواب المغلقة بحثًا عن عمل غير متوفر. أما فتى في السادسة عشرة، فيجلس مساءً مع ورقة وقلم ليحسب ما جناه ذلك اليوم، لا ليشتري كتابًا أو لعبة، بل ليقرر إن كانت الأسرة ستستغني هذا الشهر عن الإنترنت أو عن الكهرباء، في مفارقة تختصر حجم الانقلاب في الأدوار.

هذه اليوميات لا تعكس مجرد فقر مادي، بل واقعًا تُسحب فيه الطفولة تدريجيًا من أصحابها، ليحل مكانها قلق دائم، وشعور بالمسؤولية يفوق العمر، وخوف مستمر من الغد. فهؤلاء الأطفال لا يعيشون طفولة صعبة فحسب، بل يعيشون طفولة مؤجلة، مثقلة بالواجبات، تُستبدل فيها الأحلام الصغيرة بحسابات البقاء، في مشهد يكشف عن جيل يُجبر على النضوج المبكر، فيما تُسرق براءته وأحلامه بصمت يومي لا يلفت الانتباه إلا حين يصبح فقدان الطفولة واقعًا جماعيًا.

دعوة عاجلة للحماية والدعم

تشير منظمات دولية مثل "يونيسف" وSave the Children إلى ضرورة حماية الأطفال من هذه الأعباء المبكرة من خلال توفير برامج تعليمية مرنة، ودعم نفسي واجتماعي، وإنشاء شبكات حماية اقتصادية للأسر، وحملات توعية محلية ودولية لتسليط الضوء على مأساة الطفولة المفقودة. فبدون تدخل عاجل، فإن لبنان لا يواجه أزمة تعليم أو اقتصاد فقط، بل جيلًا متضررًا سيحمل آثار هذه المرحلة طوال حياته.

قصص هؤلاء الأطفال ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل نداء إنساني عاجل يطالب المجتمع الدولي والمحلي بالتحرك لحماية ما تبقى من طفولة ومستقبل في لبنان. فالأطفال الذين أصبحوا آباء أسر قبل أوانهم ، يمثلون تحذيرًا عالميًا حول ما يمكن أن يحدث عندما تنهار شبكات الحماية الاجتماعية، ويصبح البلوغ المبكر عبئًا على أعناق من لم يكتمل نموهم بعد.

شربل صفير - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا