الخلاف المكتوم بين بري والحزب: حصَّة الطائفة أم مستقبلها؟
ليس جديداً أن يختلف الحلفاء. الجديد في الحالة الشيعية اللبنانية أنّ هذا الخلاف، حين يحدث، لا يخرج إلى العلن إلا متخفّياً: في تسريبات، في رسائل غير مباشرة، في نبرة خطاب، أو في مفاوضات تُدار في الكواليس على تفاصيل تبدو تقنية. لكن ما يبدو تقنياً اليوم ليس إلا قشرة لخلاف أعمق: خلاف على تعريف التمثيل السياسي للطائفة الشيعية، وعلى من يملك حقّ الكلام باسمها في ترسيمة لبنان المقبل.
نجح الثنائي الشيعي، على مدى عقود، في تقديم نفسه بوصفه كتلة واحدة: انسجام كامل، قرار موحّد، وصوت لا يُمكن أن يُخرَق أو يُشقّ. لا تعترف السياسة بالكتل الصمّاء. ما يُدار في الظلّ الآن، لا يبدو بطبيعته خلافاً على مقعد أو وزارة، إنّما هو في جوهره مفاوضة على جملةٍ أكبر تتلخّص في سؤالٍ وحيد: هل تتجسّد الطائفة في الدولة عبر البرلمان ومفاتيحه، أم عبر حزب عقائدي يملك فائض القوة ويعتبر نفسه صاحب الحق في تمثيل القضية والجمهور في آن؟ بهذا المعنى، يصبح السؤال الأكثر دقّة: هل يختلف بري وحزب الله على حصة الطائفة؟ أم على مستقبلها؟
ثنائية وتصدُّعات
غالباً ما تُرى الثنائية، من خارج الطائفة الشيعية، كتحالف عسكري - سياسي مُحكم. لكنها رغم ذلك تحتضن داخلها، طبقات متعددة من المصالح وأشكال السُّلطة: سلطة السلاح والتنظيم والقدرة على التحكم بالمجال الأمني والسياسي، أي الحزب، وسلطة الدولة، القوانين، شبكة التحالفات، التموضع داخل النظام، أي البرلمان، أو بتعبير حصري نبيه بري.
مثَّل حزب الله لفترة ليست بالقليلة القوّة التي تتجاوز الدولة، أو على الأقل القوة القادرة على فرض شروطها على الدولة. أما نبيه بري، فيمثّل الدولة حين تكون قابلة للاستخدام: بوصفه رئيساً لمجلس النواب، صاحب مفاتيح اللعبة التشريعية، وصاحب خبرة طويلة في إدارتها وفي إعادة إنتاجها.
لا يُمكن القول إنّ الفرق بينهما محصور في المبدأ. كلاهما جزء من منظومة نفوذ واحدة. لعلّ الفرق يكمن في اللغة وفي المكانة التي تصنع الشرعيّة. الحزب يصنع شرعيته من سرديّة "المقاومة" ومن معنى يتجاوز لبنان، في الوقت الذي يصنع بري شرعيّته من الدولة وآليات النظام اللبناني نفسه. ربما من هنا تحديداً تبدأ التباينات. تباينات تبتعد عن العواطف والشخصنة، لتدخل في المواقع وتدرُّجاتها.
برّي وتعريف الطائفة
يُقال اليوم، وفي القول شيء من الحقّ، إنّ بري لا يقبل بالمناصفة داخل الطائفة، وهذا الطرح ليس من باب العناد أو المزاج. يقرأ بري السياسة قراءة خبير. وبهذا يعرف أنّ المناصفة داخل الطائفة تعني تثبيت حزب الله شريكاً متكافئاً في التمثيل بعيداً عن كونه قوة فوقيّة تدعم أو تمنع أو تسهّل.
يريدُ بري صيغةً أخرى للشراكة: حزب الله قوّة، لكنّ التمثيل الدستوري يجب أن يبقى في يد الدولة، أي البرلمان، أي بتعبير آخر "أمل". من هنا يمكن فهم تمسك بري بفكرة أن يكون الثقل عنده في مجلس النواب، أو عبر المؤسسات التي يملك تأثيراً فيها، من لجان نيابية إلى مواقع دستورية إلى مفاتيح تفاوض وطبعاً المجلس الشيعي الأعلى. يريدُ بري القول بوضوح، وفي ظل تغييرات المنطقة، إنّ من يمثل الشيعة رسمياً في الدولة هو النظام الذي يديره بري، لا "المنظومة" التابعة التي يديرها الحزب.
تتخفّى أسباب النزاع غير المعلن في هذا الفارق. النزاع قائم على الشرعيّة بعيداً من فكرة التوزيع والحصص. وأيضاً النزاع يُختصر في أسئلة يدركُها بري: من أين تخرج شرعية الطائفة؟ من الدولة أم من القوة؟
الحزب بين الخطاب الكبير وأزمة التفاصيل
المراقب لخطاب الحزب ما بعد حرب الإسناد، يُلاحظ شيئاً أساسياً هو كثرة التعميمات. المستمع أمام خطاب يتحدث عن الوطن، المعركة، إسرائيل، القيم، المظلومية التاريخية، والحق. هذه العناوين التي يسطِّرها خطاب الحزب تدلُّ على علامات أساسيّة تعكس اختلاف المنطق السياسي.
الخطاب الذي يقدِّمه الحزب هو خطاب قادر على التعبئة، لكنه حين يصل إلى فكرة الدولة وتركيباتها ويدخل إلى منطق الإدارة، يبدو هزيلاً وضعيفاً. في المقابل، يسبح خطاب بري وطريقته في العمل في التفاصيل: نصاب جلسة، موعد تشريع، تسوية، مرشح، عقدة ميثاقية، تسمية، لجنة، توازنات مع طوائف أخرى. يعرف بري بحيثيته الشيعيّة والوطنيّة كيف يرفعُ شعاراً ويوقِّع اتفاقاً. وعلى هذه القاعدة تمشي السياسة اللبنانيّة برمّتها.
المفتاح الشيعي
اليوم وفي لحظة الاهتزاز يعودُ السؤال إلى الواجهة: من يملكُ المفتاح الشيعي؟ يفضّل بري أن تبقى مفاتيح الطائفة عنده، لا عند حزب يقرر أن يرفع سقف المواجهة في أي لحظة. يتصرّف برّي كأنه يعرف أنّ الشكل الحالي للحزب ليس أبدياً. لا أحد يستطيع الجزم بمآلات الحزب. لكن السياسة لا تحتاج إلى يقين كي تتحرك: تكفيها الاحتمالات. وربما أكثر ما يثير في سلوك بري في السنوات الأخيرة أنه لا يتعامل مع الحزب بوصفه قدراً أبدياً، إنما كأنّه قوة تمرّ في مراحل وتحوّلات.
ما تقدّم يدخلُ في باب القراءة الطبيعيّة للحزب، ويبتعد طبعاً عن كونه حكماً سياسياً. فالتنظيمات العقائدية حين تدخل مرحلة ضغط إقليمي ودولي أو داخلي، تُضطر إلى إعادة ترتيب نفسها، وإعادة تعريف تحالفاتها، وربما خطابها، وربما دورها. هنا وفي مثل هذه اللحظة، يتقدم بري خطوة إلى الأمام، ليؤكِّد أنّه ضمانة الطائفة داخل الدولة، بالرغم من تبدّل الأحجام وتغيّر المزاج الإقليمي.
التمثيل السياسي للشيعة لا يُبنى على لحظة قوة عسكرية أو على ظرف إقليمي، إنما من خلال موقع ثابت داخل النظام. وهذا الرهان هو رهان على أنّ الدولة، حين تتعب القوة، تعود لتفاوضها.
الاحتكار لا يصنع الطمأنينة
في الشكل، يبدو وكأنّ التمثيل السياسي الشيعي محصور بأمل وحزب الله، ضمن تقاسم متين. لكن في العمق، هذا الاحتكار نفسه يُنتج سؤالاً لا يحب أحد طرحه: ماذا لو صار الخلاف داخل الثنائية صراعاً على احتكار حق تمثيل الشيعة؟ في النظام اللبناني، لا تُقاس القوة فقط بعدد المقاعد. تُقاس بالقدرة على منع الآخرين من الظهور. وتاريخياً، نجح الثنائي في تأمين ذلك: منع خصومه من الشيعة من النمو، ومنح خصومه هامشاً محسوباً، لا أكثر.
اليوم ومع تغيّر الزمن تبرز داخل الطائفة شرائح اجتماعية، مدينية، شبابية، مرتبطة بانهيار اقتصادي وبفقدان ثقة، وبضيق من الخطاب الواحد. هذه الشرائح لا تمتلك قوة سياسية منظّمة بعد، لكنها موجودة. وحين يظهر أي تصدع في الثنائية، يصبح سؤال هذه الشرائح أكثر إلحاحاً: إذا كان التمثيل محصوراً فمن يضمن أنه ليس مجرّد توزيع نفوذ؟ هنا يعود بري إلى نقطة جوهرية: يريد لنفسه أن يبقى الممثل الممكن، المقبول داخلياً وخارجياً، حين لا تكون الصيغة الحالية للحزب قابلة للتسويق.
حصة الطائفة، أم مستقبلها؟
في النهاية، ما يسمّى الخلاف المكتوم ليس قادراً على تفجير الثنائية على المدى القريب، لأنّ مصلحة الطرفين لا تزال في الحفاظ على وحدة الحدّ الأدنى. لكن هذا أيضاً ليس تفصيلاً: إنه مرآة مرحلة. الثنائي الشيعي كان ناجحاً جداً في إدارة الطائفة بوصفها كتلة سياسيّة. لكن مع دخول لبنان زمناً مختلفاً لناحية الدولة التي تتفكك، والاقتصاد المنهار، والعلاقات الإقليمية التي تتبدل بسرعة غير مسبوقة، في هذا الزمن بالذات، لا يكفي أن تتقاسم الطائفة حصصاً. يصبح السؤال: من يرسم صورتها المقبلة؟ من يحدد كيف ستكون علاقتها بالدولة وبالآخرين؟ إذن السؤال المطروح للغد في ظل تغيُّر اللعبة من يبقى ممثلاً للطائفة؟ والأرجح أنّ لبنان المقبل لن يسمح باحتكارٍ طويل بلا اهتزاز. ربما لأنّ كلّ احتكار، مهما بدا متماسكاً، يحمل في داخله لحظةَ سؤال. ولحظة السؤال الشيعي هذه بدأت بالفعل.
محمود وهبة - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|