مجلس السلام: الوثيقة التأسيسية لعالم بلا قواعد
لسنا أمام سنة سياسية عادية، بل أمام نقطة تحوّل تاريخية. عام 2026 لا يدخل التقويم كبقية السنوات، بل يدخل كعلامة فارقة في مسار النظام الدولي، تمامًا كما دخلت 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، أو 1989 بعد سقوط جدار برلين. الفارق الوحيد أن التحوّل هذه المرة لا يأتي على شكل إعلان رسمي، بل على شكل تفكك صامت للقواعد وبروز واقع جديد قبل أن نجد له اسمًا.
العالم اليوم لا ينهار فجأة، بل يُعاد تشكيله ببطء، وبذكاء، وبلا ضجيج. ما نشهده ليس أزمة مؤقتة في العلاقات الدولية، بل إعادة كتابة للعقيدة السياسية للنظام العالمي: من عالم تحكمه القواعد إلى عالم تحكمه الإرادة، من نظام إلى شبكة صفقات، من قانون إلى قوة، ومن مؤسسات إلى منصات نفوذ.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة مشروع "مجلس السلام" الذي أعلنته إدارة دونالد ترامب كمبادرة تقنية لحل النزاعات، بل كنص تأسيسي يعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى. المجلس ليس إصلاحًا للأمم المتحدة، بل إعلانًا ضمنيًا بأن المرجعية لم تعد هناك، وأن مركز القرار ينتقل من المؤسسات إلى القوى التي تملك القدرة على فرض الوقائع لا فقط صياغة النصوص.
ما جرى في منتدى دافوس الأخير كان لحظة كشف أكثر منه مؤتمرًا اقتصاديًا. المنصة التي اعتادت أن تستضيف لغة النمو والاستثمار، تحوّلت فجأة إلى مسرح لصراع الروايات الكبرى حول مستقبل النظام الدولي. لم يكن الاقتصاد هو الموضوع، بل الشرعية. لم يكن الاستثمار هو السؤال، بل: من يضع القواعد؟ ومن يغيّرها؟ ومن يخرقها دون عقاب؟
في إحدى أكثر اللحظات كثافة فكرية في المؤتمر، جاء خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ليقول ما كان يُقال همسًا منذ سنوات: "النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى، ولن يعود". هذه الجملة لم تكن توصيفًا فقط، بل تشريحًا عميقًا لواقع عرفناه جميعًا ولم نجرؤ على الاعتراف به: أن القواعد لم تُطبّق يومًا بالتساوي، وأن القانون الدولي كان دائمًا مشروطًا بهوية الطرف، لا بحقيقة الفعل.
خطاب ترامب في دافوس كان مكثفًا، مركزًا، وذو دلالة فلسفية تتجاوز الكلمات نفسها. لم يتحدّث عن القانون، ولا عن الأمم المتحدة، ولا عن القيم الكونيّة. تحدّث عن الصفقات، النتائج، السرعة، القوة، الربح، والخسارة. كان الخطاب أقرب إلى بيان سياسي اقتصادي يُعيد تعريف معنى السياسة الخارجية نفسها.
هذا لم يكن خطابًا تقنيًا، بل نصًا تأسيسيًا جديدًا: السياسة ليست إدارة نظام، بل إدارة نتائج. ليست حماية قواعد، بل فرض وقائع. ليست التزامًا أخلاقيًا، بل استثمارًا استراتيجيًا.
هنا بالضبط تتجلّى فكرة المومنتوم Momentum : لحظة اندفاع تاريخي لا يمكن إيقافها بالبيانات ولا بالتحذيرات. العالم اليوم يعيش مومنتوم تحوّل لا يمكن احتواؤه داخل الأطر القديمة. الأمم المتحدة، بمجلس أمنها وحق الفيتو، تبدو كمن يحاول تنظيم مباراة بقواعد لا يعترف بها اللاعب الأقوى في الملعب.
مشروع مجلس السلام هو التعبير المؤسسي عن هذا المومنتوم. ليس مجلسًا للسلام بمعناه الكلاسيكي، بل منصة سياسية لإدارة النزاعات خارج منظومة التعددية الدولية. هو ليس بديلاً رسميًا عن الأمم المتحدة، لكنه يسحب منها الوظيفة الأساسية التي وُجدت من أجلها: احتكار الشرعية في قضايا السلم والحرب. وما يتبقى للأمم المتحدة في هذا السياق هو دور رمزي، أخلاقي، خطابي، بلا قوة إلزامية حقيقية.
فرنسا، التي لطالما قدّمت نفسها كحامية التعددية الدولية، تبدو اليوم في موقع دفاعي فكري أكثر منه هجومي سياسي. التصريحات الفرنسية لا تزال تتمسّك بخطاب النظام الدولي، لكن الممارسة السياسية تميل أكثر فأكثر إلى الواقعية البراغماتية، بل إلى القبول الضمني بأن القواعد لم تعد تُكتب في نيويورك وحدها، بل في عواصم القوة.
أما كندا، فاختارت كسر المجاملة الدبلوماسية والقول بصراحة إن الرواية القديمة لم تعد تُجدي نفعًا، وإن العالم الجديد هو عالم تُستخدم فيه البنية التحتية المالية كسلاح، والتكامل الاقتصادي كأداة إكراه، والتفاوض الثنائي كآلية لإعادة إنتاج التبعية لا الاستقلال. عندما تتفاوض دولة أضعف مع قوة مهيمنة، فإنها لا تمارس سيادة، بل تمارس تظاهرًا بالسيادة مع قبول التبعيّة.
وهنا، يظهر البعد الماورائي لهذا التحوّل: نحن لا نشهد فقط تغيّرًا في السياسات، بل تغيّرًا في الوعي السياسي العالمي. لم يعد السؤال: ما هو القانون؟ بل: من يملك الحق في تعريفه؟ لم يعد السؤال: ما هي الشرعية؟ بل: من يملك القدرة على فرضها؟ لم يعد السؤال: ما هو السلام؟ بل: من يملك حق إعلان أنه تحقق؟
الذكاء السياسي الجديد لا يقوم على الالتزام بالقواعد، بل على القدرة على تجاوزها دون أن تُعاقَب. الذكاء هنا ليس أخلاقيًا، بل استراتيجيًا، وظيفته قراءة اللحظة، واستثمار الفوضى، وتحويل الانهيار إلى فرصة.
وهنا يأتي لبنان، لا كاستثناء، بل كنموذج. لبنان هو تجسيد حيّ لدولة تقع على هامش نظام يتغيّر دون أن يكون لها دور في تغييره. لم يكن يومًا لاعبًا، بل موضوعًا. قرارات تُتخذ بشأنه، لا معه. مسارات تُرسم له، لا بمشاركته. واليوم، في ظل الانهيار الاقتصادي، والانقسام السياسي، وغياب مشروع وطني موحّد، يدخل مرحلة أخطر: مرحلة التهميش الدولي الصامت.
وفي عالم يُعاد فيه تعريف الشرعية خارج الأمم المتحدة، تصبح الدول التي لا تملك وزنًا تفاوضيًا مساحات تُدار، لا دولًا تُفاوض. وكما قال الوزير الكندي كارني: "إذا لم تكن حاضرًا على طاولة المفاوضات، فأنت على قائمة الطعام".
في نظام مجلس السلام، هل يُدعَى لبنان كشريك؟ أم يُدرج كملف؟ هل يُنظر إليه كدولة، أم كساحة؟ وهل يمكن لدولة بلا قوة ردع، وبلا شبكة تحالفات صلبة، وبلا رؤية سيادية موحّدة، أن تجد لنفسها موقعًا في عالم لم يعد يعترف إلا بالقوة؟
النيّة غير المعلنة وراء مجلس السلام لا تبدو تحقيق السلام بحد ذاته، بل تجاوز قيود الفيتو، والتحرّر من النظام متعدد الأطراف، وإعادة توزيع النفوذ بعد الحروب الكبرى، وخلق منصة تمنح شرعية سياسية لتحركات أحادية الطابع. إنه ليس مجلسًا للسلام، بل مجلسًا لإدارة القوة تحت عنوان السلام.
عام 2026 ليس عامًا للتوقّع، بل عامًا للمراهنة. العالم يجلس على طاولة قمار دولية، حيث لا أحد يعرف أوراق الآخر، ولا أحد يثق بالقواعد، والجميع يراهن على القوة. البعض يملك الورق، والبعض يُستخدم كورقة.
لكن ما هو أخطر من لعبة القمار نفسها، هو أنّ كثيرين لم يعودوا يدركون أنّهم في لعبة أصلاً.
والسؤال الذي يُترك للقارىء ليس نظرياً، بل وجودياً:
في ظل هذا النص التأسيسي الجديد، هل نملك أوراقنا؟
أم أننا مجرّد هامش في نص يكتبه الآخرون؟
بولا أبي حنا - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|