لبنان وسوريا والمواجهة العارية
تطرح طريقة تعامل لبنان الرسمي مع الحكم الجديد في سوريا الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام. فبعد معاناة طويلة من تأثير "لعنة" التاريخ والجغرافيا، دامت منذ الاستقلال حتى الأمس القريب، وأرخت بثقلها على نظرة وسياسات أنظمة الحكم التي تعاقبت على "عرش الشام" تجاه لبنان، ما بين اعتباره محافظة مسلوبة أو حديقة خلفية أو ورقة للمقايضة، أتاحت المتغيّرات أمام بيروت فرصة تاريخية لبناء علاقات ندّية بين الجارَين وفق الأعراف والمواثيق الدولية، تنسجم مع رغبة دمشق الساعية إلى تطهير العلاقة الناشئة من آثام الماضي وجراحه النازفة.
بيد أن الواقع يقول عكس ذلك. خلال سنة ونيف من سقوط نظام الأسد، ثمة الكثير من المواقف التي أطلقت، والعهود التي قطعت، من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، لتغدو أقرب إلى "شيكات" بلا رصيد فعلي، على الرغم من الرعاية العربية والإقليمية والدولية للمسار الوليد. من قضية الموقوفين إلى احتضان فلول نظام الأسد، الذين حولوا البلاد إلى قاعدة استراتيجية لتهديد وحدة سوريا عبر أدوات سياسية وعسكرية ومالية لا قِبَل بتحمّل آثارها على المدى الطويل.
الإشكالية تبدو أعمق بكثير مما هو ظاهر وتحتاج معالجات جوهرية. فمقابل مواقف قادة الدولة الإيجابية وتعاون قادة المؤسسات الأمنية مع الجانب السوري، لا يزال النهج الساري يرتكز على التعامل مع "سوريا الأسد" وليس "سوريا الجديدة". حتى اليوم لا تزال بعض التوقيفات تحصل بحق بعض السوريين بسبب اتهامهم بالانتماء إلى "هيئة تحرير الشام" وحلفائها ممّن صاروا في سدة الحكم، فيما تمنح التسهيلات الرسمية لقادة نظام الأسد السياسيين والأمنيين والميليشياويين الذين يتحركون بحرية مثيرة للدهشة.
ناهيكم عن قاعدة البيانات الموثقة والمحدّثة التي سلمتها السلطات السورية إلى نظيرتها اللبنانية، تكشف مصادر سياسية عن زيارة بعيدة من الأضواء قام بها مسؤول سوري رفيع المستوى إلى لبنان، التقى خلالها رئيس أحد الأجهزة الأمنية، وأبلغه معلومات عن حماية تتوافر لقيادات تنتمي للنظام السابق سمّاهم بالاسم، وأن حكومته لم يعد بمقدورها التساهل مع هذا النهج. وإذ تلقى وعدًا بمعالجة الموضوع فإن المسألة لا تقف عند هذا الحد. فخلال اجتماع ضم نوابًا ورجال دين وقيادات أمنية الأسبوع الماضي لمقاربة الخطر الناجم عن تغوّل الفلول على السلم الأهلي، استنكر مسؤول أحد الأجهزة الأمنية مصطلح الفلول ورفض استخدامه.
وفي موازاة استمرار نفي لبنان الرسمي معرفته بوجود قيادات من نظام الأسد على أراضيه بحقها استنابات دولية بتهم ارتكاب جرائم إبادة، تكشف مصادر سياسية عن إحباط أمن مطار رفيق الحريري منذ مدة وجيزة تهريب مبالغ ناهزت مليوني دولار، ضمن سلسلة عمليات مشابهة لإدخال أموال عبر هيئات دينية وأشخاص يدورون في فلكها، يذهب بعضها لـ "حزب الله"، وبعضها الآخر لمنظمة "إنماء سورية الغربية"، التي يستخدمها رئيس الاستخبارات العسكرية في نظام الأسد، اللواء كمال الحسن، كسِتار لاستقطاب مقاتلين، وتمويل أنشطة ميليشياوية في الساحل السوري. وحسب المعلومات فإن "الحزب" يضغط من أجل تحرير الأموال وإقفال المسألة واعتبارها نسيًا منسيًا.
رغم كل هذه المؤشرات، فإن تعامل لبنان الرسمي لا يتناسب مع حجم خطورة المسألة اليوم. وحتى اليوم لم تطرح القضية على طاولة مجلس الوزراء لمناقشتها واتخاذ قرار سياسي بشأنها يتيح تطبيق إجراءات جدية ترمي لإعادة تعريف ماهية الخصوم الفعليين للأمن الوطني اللبناني.
وإذا كانت عملية سيطرة السلطات السورية على مناطق شرق وغرب "نهر الفرات" تشكل رسالة متعددة الأبعاد إلى "حزب الله" للتخفف من المكابرة، فإنها في الوقت ذاته رسالة إلى صناع القرار في الدولة لانتهاز الفرصة التاريخية المتاحة لبناء علاقة ندية قبل أن تضمحل. فـ "قسد" التي تندرج ضمن مشروع حظي بدعم هائل تتداخل في أطرافه قوى دولية وإقليمية كبرى، أضاعت فرصة ثمينة استمرت لسنة أيضًا، من محادثات مع السلطة المركزية اتسمت بالتكافؤ، كان بإمكانها الإفادة منها لتحصيل ضمانات أكثر ضمن عملية إعادة تركيب النظام والدولة. وها هي اليوم تواجه عواقب الاستخفاف وإنكار المعادلات الناشئة، حيث توشك على التفكك بعدما جرى تطويقها سياسيًا.
وعليه، فإن الإفراج عن مجموعة من الموقوفين السوريين المحكومين، كما تشير بعض التسريبات، ليس بحل جذري أو مستدام، بل خطوة إيجابية تؤخر انفجار مواجهة عارية بين لبنان وسوريا في ظل اختلال هائل في موازين القوى الداعمة لكل من البلدين. بينما يكافح الأول لإعادة تزخيم علاقاته الخارجية، يحظى الثاني بمظلة دعم دولي استثنائية، ورئيس يبرع في توظيفها للمناورة وتحيّن "المومينتوم" لفرض شروطه.
سامر زريق -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|