هل طلب بري من المصريين تغيير "كرم"؟
يكشف التعطيل المستمر للجنة الميكانيزم ما يحصل في كواليس عمل اللجنة على المستويين الداخلي والخارجي ما يجعلها عنوانا لصراع النفوذ بين اللاعبين الاقليميين والدوليين ونافذة لتسجيل "سكور" داخلي بين القوى السياسية.
فالخلاف حول تمثيل المدنيين في اللجنة، والمتمثل بالسفير السابق سيمون كرم، لم يعد مجرد نزاع على اسم أو موقع، بل هو صورة واضحة للهوة المتسعة بين القوى السياسية حيث يصرّ الثنائي الشيعي، على رفضه حتى أن الرئيس نبيه بري ناقش فكرة التمثيل المدني داخل اللجنة مع المسؤولين المصريين خلال زيارته "العائلية" الأخيرة لمصر، والتي انضم اليها معاونه السياسي علي حسن خليل، مما يؤكد أن الرفض متمحور حول الدور والمحتوى وليس حول الشخص فحسب.
في المقابل، يتمسّك رئيس الجمهورية جوزاف عون به، لادراكه أن أي بديل سيكون في المواصفات نفسها التي يتمتع بها كرم لأن التفاوض الذي يجري يمثل الدولة اللبنانية ومبادئها الدستورية لا مبادئ وخيارات الاحزاب السياسية التي من المفترض ان تكون منضوية تحت رايتها، وبالتالي وخلافا لما يتم التسويق له فإن كرم باق في اللجنة وفكرة التمثيل الشيعي أو السني فيها ولدت ميتة لأن الرفض كان حاسما بالنسبة للدول المعنية بالملف اللبناني.
ولا يمكن فهم الأزمة التي تعصف بالميكانيزم بمعزل عن البعد الدولي. فالرفض الأميركي والإسرائيلي لأي دور فرنسي مدني في اللجنة ليس أمراً طارئاً، بل هو نتاج تراكم خلافات استراتيجية على مدى سنوات. واشنطن،
بحسب مصادر دبلوماسية، تعتبر أن أي تمكين للفرنسيين في إدارة ملفات حساسة داخل لبنان قد يقوض نفوذها الإقليمي ويعطي باريس هامشاً أكبر للتواصل مع أطراف ترى واشنطن أنها تهدد استقرار المنطقة، وعلى رأسها حزب الله وإيران. أما إسرائيل، فهي تنظر إلى التمثيل الفرنسي المدني بقلق شديد، معتبرة أن أي تقارب فرنسي مع حزب الله أو فتح قنوات مع طهران يضعف ضغوطها الأمنية والسياسية على لبنان ويعيد ترتيب معادلات النفوذ ضد مصالحها المباشرة.
في هذا السياق، الحديث عن "إعادة التشكيل" يبدو في الظاهر إجراءً بروتوكولياً، لكنه في الجوهر عملية مقايضة صامتة على النفوذ والحصص السياسية، تُدار على مستويات متعددة، ويُستخدم فيها لبنان كورقة ضمن لعبة أكبر، تتقاطع فيها المصالح الداخلية والخارجية. ويكشف ذلك أن ما يجري ليس صراعاً على اللجنة وحدها، بل على القدرة على التحكم بمسار الدولة اللبنانية، وإمكانية إعادة رسم خريطة النفوذ الداخلي والدوائر السياسية اللبنانية.
ومع كل هذه الحسابات الدولية، ترفع القوى السياسية سقف مطالبها. تصريحات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الأخيرة، على سبيل المثال، تكشف استراتيجية الحزب في حماية مكتسباته السياسية وضمان استمراره في التمثيل النيابي، سواء عبر فرض قواعد اللعبة قبل أي نقاش حول السلاح أو عبر الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وتُظهر هذه المواقف أيضاً حرص الثنائي الشيعي على تأمين مصالحه في ظل غليان شعبي واقتصادي، ما يمنع الاحزاب المعارضة حديثة النشأة من التسلل إلى الساحة الشيعية واستغلال أي ثغرة سياسية أو اجتماعية.
الى جانب ذلك، يعكس هذا المأزق ضعف المؤسسات اللبنانية أمام الضغوط الخارجية. فحتى الامور التقنية، مثل اختيار ممثل مدني، تصبح رهينة لمعادلات النفوذ، ويبدو واضحا أن لبنان يعيش حالة من التبعية غير
المعلنة، حيث تُفرض الحسابات الدولية على الخطة السياسية الداخلية. وكل محاولة لحلّ الأزمة تنطوي على مخاطر إعادة فتح ملفات أخرى، سواء على مستوى العلاقات مع القوى الدولية أو داخلية على مستوى التحالفات والكتل السياسية.
إعادة تشكيل محتملة للجنة "الميكانيزم"، إذا ما حدثت، لن تكون أكثر من مسكّن مؤقت قبل العملية الجراحية الكبيرة التي ستجري على المستوى الداخلي، فالحزب، يؤكد مقربون منه، لن يساوم على سلاحه طالما ان القرى الحدودية لا زالت محتلة واعادة الاعمار ممنوعة وعملية اطلاق الاسرى مرفوضة بالمطلق، وعليه فإن مواقف الشيخ قاسم ستكون بحسب المقربين ضمن نسق تصعيدي بوجه الدولة اللبنانية التي برأي الحزب متقاعسة وضعيفة أمام اسرائيل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|