السفير الاميركي من مرفأ بيروت: مرتاحون لأنّ "السكانر" بدأت تعمل
تحشيد متبادل لمعركة دير حافر: أنقرة تستعجل الحسم... والأكراد يستجمعون أوراقهم
باسم «توحيد سوريا» و«بسط سلطة الدولة»، يتابع النظام السوري الجديد برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، شنّ الحملات العسكرية وحملات التحريض ضد «الجماعات السورية»، على خلفيات دينية وإثنية ومناطقية. وتمثّلت آخر تلك الحملات في الهجوم على حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب (حيث الغالبية الكردية)، والذي توسّع خلال الأيام الأخيرة نحو جبهات دير حافر ومسكنة غرب نهر الفرات في ريف حلب الشرقي، حيث لقوات النظام الجديد خطوط تماس مع «قوات سوريا الديمقراطية»، ويحشد الطرفان قواتهما استعداداً للمعركة المقبلة.
وجاء إخراج مقاتلي «الأسايش» أو الأمن الداخلي الكردي من الحيَّين نحو شرق الفرات، كنتيجة لعدّة أيام من المعارك التي زجّت فيها قوات الشرع بمزيج من عشرات آلاف المقاتلين المدعومين بالدبابات والطائرات المُسيّرة، وبعد أن ظهر جليّاً عدم استعداد «التحالف الدولي» لاتخاذ موقف حاسم إلى جانب «قسد» و»الأسايش» في الدفاع عن «جيب» مدينة حلب، والذي يمكن أن يُفسَّر بانحصار الحيّز الجغرافي لدعم «التحالف»، «قسد»، في منطقة شرق الفرات، إذ سبق للأميركيين والأتراك أن عقدوا اتفاقاً في عام 2018 خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، وتمكّن الجيش التركي بموجبه من السيطرة على الشريط الحدودي في ريف حلب الشمالي ومناطق من محافظة الحسكة، بالإضافة إلى الاتفاق على خروج القوات الكردية من مناطق غرب الفرات. إلّا أن «قسد» نجحت في المماطلة وبالتنسيق مع القوات الأميركية، في التملّص من الاتفاق، الذي أراد منه ترامب مراعاة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وسحب القوات الأميركية من سوريا.
على أيّ حال، فإن قوات الشرع لم تغيّر من أسلوب عملها؛ إذ آثرت في الحملة الأخيرة أيضاً استخدام ثلاثة أصناف من المقاتلين: الفصائل التركمانية الخاضعة للعقوبات الأوروبية والبريطانية (نتيجة دورها في مجازر الساحل وحمص وحماه في 7 و8 و9 و10 آذار 2025)، المقاتلون الأجانب (ظهر بعضهم في فيديوهات مُسرَّبة ومن بينهم المصري خالد منصور)، بالإضافة إلى مجموعات عشائرية. وبدت لافتة كذلك مشاركة مجموعات ما يُسمّى «الذئاب الرمادية» التي تتبع الحركة القومية في تركيا وتأتمر مباشرة من جهاز الاستخبارات العسكرية التركية. وعلى الرغم من التوجيهات الصارمة التي عمّمتها وزارة الدفاع التابعة للشرع، خلال الأشهر الماضية، على عناصرها، بمنع تصوير الانتهاكات خلال العمليات العسكرية والانتقامية ونشرها، إلّا أن عشرات الفيديوهات وثّقت العديد من الجرائم التي لا تختلف عمّا مارسته هذه القوات في حملاتها السابقة في الساحل وفي صحنايا وجرمانا والسويداء.
أمّا المعركة المُرتقبة في جيب دير حافر ومسكنة غرب النهر، فليست محسومة النتائج منذ الآن، إذ إن «قسد»، وبعد أن تلقّت ضربة سياسية وعسكرية بتهجير عدد كبير من السكان والمقاتلين من داخل حلب، تستعدّ لبذل جهود كبيرة في الصدّ عن المنطقة التي تُعدّ خطّ دفاع متقدّماً عن الضفة الشرقية للنهر، وذلك بالاستفادة من مناخ التضامن الكردي الذي خلّفته نتيجة المعركة في حلب. في المقابل، تستعدّ قوات الشرع لاستكمال اندفاعتها نحو الشرق، مستفيدةً من الليونة الأميركية التي أبداها المبعوث الأميركي والسفير في أنقرة، توم برّاك، تجاه تحرّكات حكومة دمشق.
إلا أن عنصر الوقت لا يخدم قوات الشرع، خصوصاً مع بدء تغيّر الموقف الأميركي تجاه توسّع العمليات ضدّ «قسد»، والذي ظهر قبل يومين مع اضطرار برّاك إلى تأكيد اعتبار الولايات المتحدة، «قسد»، «شريكاً استراتيجياً»، وتحذير السيناتور ليندسي غراهام، ليل أمس، الشرع وتركيا من هجوم جديد على الأكراد. ويفتح موقف غراهام الباب واسعاً أمام إعادة التقييم المُنتظرة لالتزام الحكومة الانتقالية بالشروط الأميركية التي رافقت رفع عقوبات قانون «قيصر» عنها، والتي تحتّم عليها «حماية الأقليات»، ومن بينها الأكراد بحسب التصنيف الأميركي.
وبمعزلٍ عن النتيجة العسكرية لمعركة دير حافر ومسكنة، فإن النتيجة السياسية لن تصبّ في صالح الشرع وحكومة دمشق، التي فشلت في التجارب السابقة في تضميد جراح السوريين واستعادة اللحمة الاجتماعية. لا بل إن هجماتها المتنقّلة كرّست جروحاً يحتاج التئامها إلى وقت طويل وجهد استثنائي، وفتحت الطريق أمام التدخّل الإسرائيلي، خصوصاً بعد أن لمست تل أبيب هرولة دمشق إلى عقد اتفاق معها بأي ثمن.
هكذا، أصابت العملية العسكرية التي شنّتها قوات الشرع على حلب، اتفاق 10 آذار في مقتل، بعدما أدّت إلى تعقّد الموقف وابتعاد خطوة الاندماج تحت سقف حكم واحد أكثر فأكثر. وقبل ذلك، كانت العملية العسكرية ضدّ السويداء في تموز 2025، ساهمت في دفع المحافظة الجنوبية إلى المطالبة باللامركزية والفيدرالية، وصولاً إلى الانفصال وطلب الدعم الإسرائيلي بصورة علنية. وتبدو عملية حلب محرّكاً مماثلاً لدفع الكرد إلى رفع سقف المطالب السياسية، وذلك بالتسلّح بالانتهاكات التي طاولت سكان الشيخ مقصود والأشرفية، والتحريض الإثني والعرقي الذي شنّته حكومة دمشق، ومشاركة العنصر التركماني في الهجمات، وعمليات الإحلال التي حصلت في الحيَّيْن للتركمان خلال الأيام الماضية، فضلاً عن أن الانسحاب الأميركي يبدو حالياً مستبعداً مع توسّع حضور تنظيم «داعش» وعملياته على كامل الجغرافيا السورية، وليس فقط في البادية والشرق.
من جهتها، تنفي تركيا مشاركة قواتها النظامية في أي عمليات خاضتها قوات الشرع في حلب، مع أنها ساهمت في دعم تلك القوات بطائرات «بيرقدار» التابعة للجيش التركي. إلا أن أنقرة باتت شديدة الخشية من سقوط المفاوضات مع زعيم «حزب العمال الكردستاني»، عبدالله أوجلان، في حمأة الأزمة مع العلويين والمعارضة التركية. ولذا، فهي تدعم وصول قوات الشرع إلى سدّ تشرين، وسيطرتها الكاملة على الضفة الغربية لنهر الفرات، وحصر قوات «قسد» شرقي النهر، تمهيداً للانقلاب عليها من الداخل في المستقبل عبر العشائر العربية. والهدف من ذلك، هو تقليص الحضور العسكري الكردي إلى حدوده الدنيا، والإمساك بكامل نهر الفرات في الداخل السوري، خصوصاً في ظلّ التحرّكات الكردية الواسعة التي يشهدها غرب إيران، وثبوت دور الفرع الإيراني لـ»حزب العمال الكردستاني» في المساعي الأميركية والإسرائيلية لهزّ نظام الثورة الإيرانية ومحاولة إسقاطه. ومن شأن كلّ ما تقدّم أن يرفع منسوب المخاوف التركية من امتداد المدّ الكردي من إيران وسوريا غرباً وشمالاً، وإعادة المسألة الكردية في داخل تركيا إلى واجهة الأحداث. وتتأكّد المخاوف التركية تلك، مع حالة الغضب الكبيرة التي عمّت الشارع الكردي بعد هجمات حلب، ولا سيّما في كردستان العراق، حيث أصابت الأحداث حتى مسعود البرزاني (الصديق الدائم لتركيا) بحرجٍ شديد، ودفعته إلى اتخاذ مواقف أقرب إلى «قسد».
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|