الصحافة

مُقاربة واشنطن الجديدة لملف "قسد"... هل تتحسّب قياداتها للمرحة المقبلة؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

وفقا لتسارع الأحداث التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب، يمكن الجزم بأن ما جرى لم يكن نتاجا لمعارك عسكرية، بل نتيجة لمناخ عام مؤيد لتوجهات الحكومة السورية، في بسط سيادتها على كامل أراضيها، ورافض للحيثية التي تسعى «قوات سوريا الديمقراطية - قسد»  للحفاظ عليها.

ولعل من المؤكد القول أن المناخ العام المحيط بأي صراع، غالبا ما يكون شديد التأثير في مخرجاته، بل لعله يكون محددا للكثير من نتائجه، حتى قبل أن تبدأ الأسلحة بالتعبير عن «تململها». وإذا كانت الجولة العسكرية الأخيرة، تعبير عن انسداد أفق التفاوض أو الحوار، لا بد للميدان من أن يدلو بدلوه فيها. فإن مخرجاتها قادت نحو مآلات أبعد مدى، بل إن القوات الحكومية، التي كانت قياداتها مدركة لتلك المآلات، رغبت في تحويلها الى عملية أشبه بـ«جس النبض»، في محاولة لجمع أكبر قدر من المعلومات الأساسية، التي من شأنها التمهيد لخطوات أبعد وأوسع مدى، وهي باتت حتمية في ضوء معطيين اثنين:

- أولا: المقاربة الأميركية الجديدة التي قدمها المبعوث براك مؤخرا حيال معارك حلب ، ثم حيال ملف» قسد «بشكل عام.

- ثانيا: انسداد الرهان على طاولات التفاوض، التي ثبت استخدامها كوسيلة لـ"شراء الوقت" عند أحد الطرفين، ولربما عند كليهما، ريثما تتغير المعطيات، أو تنقلب المعادلات، والشاهد هو أن معركة حلب الأخيرة، كانت قد كشفت عن موازين قوى دولية جديدة، الأمر الذي بدا واضحا من خلال تبلور محور عربي إقليمي داعم لتوجهات حكومة الشرع، في محاولتها لبسط سيادتها على كامل أراضيها.

وهذا المحور يعتد بدعم وإسناد أميركيين، وكذلك بدعم تركي بدا أنه يميل نحو التشدد، بل وأشار صراحة إلى إمكان «انخراطه بشكل مباشر في المعارك، إذا طلبت الحكومة السورية منه ذلك»، وفقا لما صرح به مسؤول عسكري تركي لوكالة «رويترز» في اليوم الثاني، والحاسم لمعارك حلب، مع تسجيل «امتعاض اسرائيلي»، بدا أنه سيقتصر على التصريحات الإعلامية.

ومن حيث النتيجة كان مجمل الصورة يشير إلى أن الحكومة السورية هي في وضع جيد، وهو يتيح لها التقدم بوسائل عدة لحلحلة ملف <قسد»، الذي بات موضوعا على «نار حامية»، الأمر الذي يتوجب على قياداتها قراءته جيدا، ووضع حيثياته بعين الإعتبار.

وقد أفادت تسريبات لمصادر قريبة من غرف صناعة القرار في دمشق، أن المبعوث الأميركي توم براك كان قد عزف، إبان لقائه بالرئيس أحمد الشرع في دمشق يوم السبت، عن تقديم «خطة» بالمعنى التنفيذي لتلك الكلمة، وكبديل عن ذلك سعى براك إلى تقديم «إطار ديبلوماسي - إعلامي» عام.

وأضافت تلك التسريبات أن الهدف من ذلك، هو تثبيت سقف الخطاب الأميركي عند حدود واضحة بالنسبة للقيادة السورية، من دون اضطرار الحكومة الأميركية للإعلان عن التحول الحقيقي الجاري في المقاربة الأميركية للملف السوري عموما، ولملف «قسد» ومناطق شرق الفرات السوري بشكل خاص. وبحسب تلك التسريبات أيضا فإن الإميركيين يرون أن الحفاظ على الخطاب السابق، الذي يقول بـ<الدولة الواحدة، احترام المكونات، حقوق الكرد، ووجوب ضبط النفس لحل المشاكل القائمة»، أمر يعفيهم من الأكلاف الإعلامية والأخلاقية، التي لطالما ارتأت واشنطن بأنها ستكون باهظة فيما لو تغير ذلك الخطاب،  انطلاقا من التعاون الذي جمع بين الطرفين في إطار «محاربة تنظيم داعش».

ومع الإبقاء على تلك «الواجهة»، يمكن لواشنطن أن تدير استراتيجيتها الجديدة التي اتضحت معالمها جليا في معارك حلب، حيث من المرئي بوضوح أن السياسة الأميركية عملت على ترجيح ميزان القوى القائم، الذي لا يشمل القوة العسكرية فحسب بشكل حاسم لصالح حكومة دمشق، من دون قيامها بالإعلان عن تغيير سياسي صريح، ولربما كان هذا الأسلوب الأميركي معروفا في إدارة الملفات الشائكة، وكثيرا ما سلكته واشنطن عندما كانت «تتحجج» من التخلي عن «كيان» أو «تنظيم» تربطها به علاقة من أي نوع كانت، والخيار عندها يصبح في هذه الحالة، هي السماح للمعطيات أو الوقائع، بتقليص هامش المناورة، وصولا لدفعه نحو حال من "التآكل" الذاتي، التي ستدفع به في نهاية المطاف نحو «الإستسلام»، الذي يجيئ هنا كنتيجة لتراكم الضغوط، لا كنتيجة لقرار أميركي.

من المؤكد الآن أن حكومة دمشق، التي لمست عمليا هذه المرة مستوى الدعم والإسناذ اللذين تحظى بهما، لن تفوت هذه الفرصة السانحة لتعديل الكثير من خرائط السيطرة القائمة. وفي هذا السياق كشفت مصادر عسكرية عن أن «الجيش السوري يضع ريف حلب الشرقي وسد تشرين على رأس أولوياته المقبلة، بعد اكتمال السيطرة على أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب».

كما أضافت تلك المصادر أن <الهدف الإستراتيجي الآن يتمثل في تأمين محيط كامل حلب، وإنهاء أي حالة تهديد محتمل>، مشيرة إلى أن «سد تشرين يحمل أهمية كبيرة لجهة التحكم بالموارد المائية، والطرق الرئيسية المؤدية إلى شرق الفرات».

وفي الخلفية تشير تلك المصادر إلى وجود رهان كبير على عدد من العشائر العربية <المنتمية حاليا إلى قوات( قسد)>، في محاولة لتكرار ما حصل خلال معارك الأشرفية، حيث كان لانشقاق العديد من عناصر «الأسايش» العرب، دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى هذه الأخيرة، وتفضيل قياداتها تسليم المناطق التي تسيطر عليها دون مقاومة.

باتت المناخات المحيطة بـ"قسد" اليوم شديدة التناقض مع» مشروعها»، بدءا من سعي الجميع لإضعاف قدراتها على ابتزاز الحكومة السورية، ووصولا إلى حصول تغيير جذري في المزاج العام حيالها. وهذا من المقدر له أن يدفع بها إلى سلوكيات ذات طابع «تشنجي»، وتكرارها وتراكماتها سوف يفتح الأبواب واسعة أمام خسائر بالجملة، وصولا لـ" الخسارة" الكبرى، التي تشير الكثير من المعطيات أنها لم تعد ببعيدة. 

عبد المنعم علي عيسى -الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا