أبو فاعور: محيطنا يغلي ولا بد من رؤية وطنية جامعة تعيد القرار السيادي للدولة
عن جدلية الاب غييرمي..صمت الكنيسة ليس تخلياً ومنطقها أبعد من ردود الفعل
جدل إيماني ذو خلفيات شائكة طرحه الحفل الموسيقي الذي يقيمه الأب غييرمي هذا المساء في بيروت ويسبقه قداس في حرم جامعة الروح القدس الكسليك حيث يشارك في الذبيحة الإلهية.
الحرب الكلامية التي شهدتها وسائل التواصل الإجتماعي وصلت إلى حد تقدم مجموعة صغيرة من 18 شخصاً بينهم كهنة عريضة لدى قاضي الأمور المستعجلة يطالبون فيها إلغاء الحفلة المقررة هذا المساء بذريعة أنه مخالف للأخلاق وتعاليم الكنيسة ويشوه صورة الديانة المسيحية. وصدر القرار: "رد الإستدعاء المقدّم لوقف الحفلة الموسيقية لانتفاء الصفة القانونية لدى الجهة المستدعية حيث أنه لم تثبت تمثيلها أي مرجعية أو هيئة دينية رسمية ما يُسقط الصفة القانونية اللازمة لقبول الطلب".
قضائياً انتهى الكلام وتوقف السجال. لكن على أرض الواقع والإفتراضي "كبرت". فالمعترضون لوحوا بعد رد القضاء الإستدعاء بالذهاب إلى "التظاهر السلمي وحرق الدواليب" على الطريق المؤدية إلى مكان إقامة الحفلة . وهنا لا بد من رسم أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذه التظاهرة"السلمية" في لحظة تعيش فيها البلاد مرحلة دقيقة أمنيا وسياسيا وهي قابلة للتفجير ولو عبر "إحراق الدواليب".
أيضا ثمة سؤال يطرح لماذا لم يهتز الإلتزام الوطني وليس الديني لدى المعترضين وقرروا مثلا النزول إلى الشارع والتظاهر "سلمياً" وإحراق الدواليب للمطالبة بنزع سلاح حزب الله أو استرداد أموالهم أو للإعتراض على الأقساط المدرسية والجامعية وتفلت الأسعار وعدم وجود رقابة على أسعار السلع؟ تُرى هل يكون المعترضون ملكيين وملتزمين بإيمانهم أكثر من الكرسي الرسولي حيث بارك البابا لاوون رسالة الأب غييرمي التي يوصلها عبر الموسيقى للشبيبة وقد دعاه للمشاركة والعزف في يوم الشبيبة العالمي؟
الجدل عقيم ومتشعب ولسنا في وارد الحكَم لأن الحكماء تحفظوا عن الدخول في السجالات إلا أنها من دون شك تجاوزت حدود الحدث الفني - الروحي، لتلامس أسئلة حسّاسة تتعلّق بحرية التعبير الديني، واحترام الطقوس الكنسية، ودور القضاء في التدخل في الشأن الإيماني. وبين من رأى في الحفل مناسبة روحية جامعة، ومن اعتبره خروجًا عن الأصول، انقسم الرأي العام اللبناني كما لم يحدث منذ سنوات في قضايا مشابهة.
المؤيدون للحفل رأوا فيه مساحة انفتاح روحي تخاطب الشباب بلغة قريبة منهم، وتجديدًا في الخطاب الديني لا يمسّ جوهر الإيمان بل يكيّفه مع تحوّلات العصر، والأهم من ذلك دينيا أنّ الكنيسة عبر تاريخها، عرفت أشكالًا متعددة من التعبير الروحي، وكانت الموسيقى والإنشاد جزءًا من التجربة الإيمانية، ولو اختلفت الأساليب باختلاف الأزمنة.
في المقابل يعتبر المعارضون أن استخدام عناصر استعراضية أو خطاب غير منضبط قد يفتح الباب أمام تسييس أو تسليع الدين، والمسألة تتجاوز الأطر الطقسية المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية، كما أنه لا يجوز الخلط بين العرض الفني والطقس الديني لأنه يؤدي إلى تفريغ العبادة من قدسيتها. وذهب بعض المعارضين إلى أبعد من ذلك، واعتبروا أنّ ما يحصل يستوجب محاسبة كنسية داخلية، حفاظًا على وحدة المعايير والضوابط اللاهوتية.
وبين مؤيد لمشهدية إقامة كاهن حفل موسيقي على أنغام التكنو تخاطب الشبيبة بلغة روحية ودينية تساهم في تقريبهم من الكنيسة، يبرز صمت الكنيسة حيث لم يصدر أي موقف من المركز الكاثوليكي للإعلام ولا عن صرح بكركي.
مصدر كنسي يؤكد لـ"المركزية" أن صمت الكنيسة ليس تخلٍ "فنحن لا نعارض لغة الموسيقى وهي في أساس طقوسنا الدينية وعندما علمنا أن هناك عريضة مرفوعة من قبل 18 شخصاً من بينهم كهنة تطالب بإلغاء الحفلة الموسيقية التي سيحييها الأب غييرمي في بيروت فوجئنا بالأمر وحاولنا الإستفسار من خلال هؤلاء المعترضين عن هذه الخطوة التي لا تعتبرها الكنيسة تتماشى مع الأصول القانونية والدينية فجاء الرد بأنهم حاولوا التواصل معنا لكن الخط كان مقفلا، وهذا غير صحيح بالمطلق لأن خطوطنا مفتوحة طيلة ساعات النهار وحتى الليل. وإذا سلمنا جدلاً بأن عطلا ما حصل على خطوط الهاتف الخليوي هناك خط أرضي لدى المراجع الكنسية المعتمدة وتواصل مباشر. في أي حال تضيف المصادر الكنسية أنه لو كان لدى بكركي أي اعتراض أو ملاحظة على الأب غييرمي لمنعت دخوله الأراضي اللبنانية وكانت ستصدر بيانا في ذلك. لكن لا اعتراض من بكركي والكنيسة لم تتدخل لاعتبارات منها رضى الكرسي الرسولي عن رسالة الأب غييرمي و البابا لاوون لم يسجل اعتراضا على رسالة الأب غييرمي التي يوصلها إلى الشبيبة لتقريبهم من الكنيسة ورفع منسوب الإيمان لدى هذه الفئة الشبابية بلغة الموسيقى، ثم أنه دعاه للمشاركة في لقاء الشبيبة العالمي فهل يكون المعترضون ملكيين أكثر من بابا الفاتيكان؟ نشك بذلك".
وحول الدعوة التي وجهتها جامعة الروح القدس الكسليك للأب غييرمي للمشاركة في الذبيحة الإلهية عصر اليوم في حرم الجامعة، تلفت المصادر إلى أن "جامعة الروح القدس لها تاريخها الديني والعلمي العريق ولن نسمح بتشويهه. ولو كان هناك حظر ديني من قبل الفاتيكان على الأب غييرمي لما قامت إدارتها والقيمين عليها بهذه الخطوة".
وتختم المصادر الكنسية"قد نشهد الليلة تحركات على الأرض من قبل المعترضين على الحفل لكن نقول لهم إن المزامير التي كتبت تُنشَد غناءً، والأب غييرمي لم يعمل في الخفاء ولم يتزلف"، وذلك ردا على المعترضين ارتداءه ثوب الكهنوت خلال إقامة حفلاته...
الجدل الذي أثاره حفل الأب غييرمي في لبنان لم يبق محصورًا في الرأي العام أو في السجال الإعلامي، بل تمدّد إلى الأوساط اللاهوتية والكنسية، حيث انقسمت الآراء بين من رأى في الحدث تعبيرًا مشروعًا عن إيمان حيّ ومتجدّد، ومن حذّر من مخاطر الخلط بين العبادة والعرض، وبين الطقس والفرجة ويبقى صمت المؤمن عن فعل وقناعة سيد الكلام.
على صفحته كتب الأب ماركوس ديب:"الضجة التي أُثيرت حول حفل الكاهن البرتغالي في لبنان لا علاقة لها بالحفل، بقدر ما تكشف أزمة أعمق: أزمة الإيمان المسيحي في الشرق...الحقيقة المؤلمة أن جزءًا كبيرًا من هذا الرفض لا ينبع من الإنجيل، بل من ثقافة دينية دخيلة على المسيحية؛ ثقافة ترى الدين منظومة محظورات، ورقابة، وخوف دائم من الجسد، والفرح، والفن. هذه ليست مسيحية، حيث القداسة تُقاس بالمنع لا بالحرية.
لماذا ما يُعتبر طبيعيًا ومقبولًا في أوروبا يُصنَّف في الشرق كفضيحة؟ هل الكنيسة في الغرب فقدت إيمانها فجأة، أم أن الشرق يمتلك احتكار الغيرة على الله؟ الشرقي المسيحي غالبًا لا يدافع عن الإيمان، بل عن صورته الذهنية عن الإيمان. وهنا الخطورة: حين يتحول الله إلى شرطي، والإيمان إلى سجن، والكنيسة إلى محكمة تفتيش".
بعيدًا من الاصطفافات، يبدو أن الجدل حول حفل الأب غييرمي هو مرآة لنقاش أوسع يعيشه المجتمع اللبناني، حيث تتقاطع الحساسية الدينية مع القلق القانوني، والانفتاح مع الخوف من التفلت. وبين هذين الحدّين، تبقى الحاجة ملحّة إلى حوار هادئ، يراعي قدسية الإيمان من جهة، وحق التعبير والتجديد من جهة أخرى، من دون تحويل القضاء إلى ساحة صراع عقائدي، ولا ترك الدين بلا ضوابط مرجعية.
جوانا فرحات - المركزية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|