هل تبدّل الموقف الأميركي إزاء الملف اللبناني...؟
هل ثمة سوء فهم بين الولايات المتحدة الاميركية والسلطات اللبنانية؟ او ان الاحداث المتسارعة في الإقليم والعالم ، افضت الى حصول تبدلات دراماتيكية في الاستراتيجية الاميركية، انعكست على نحو مباشر على مقاربة الملف اللبناني؟ وهل يجدي الرهان على الوقت؟
هذه الاسئلة تحضر بقوة في اروقة القرار السياسي في بيروت، في ضوء الضبابية التي تلف الموقف الاميركي غير الثابت على رؤية واضحة، يمكن الركون اليها في هذه المرحلة الخطرة، التي تشهد تحولات على مستوى العالم والمنطقة.
ووفق مصادر سياسية بارزة، فان تكرار رئيس الجمهورية جوزاف عون انتقاده لمجموعة من الوشاة اللبنانيين، المستمرين في إلحاق الضرر بالموقف اللبناني في العاصمة الاميركية، لا يعبر عن حقيقة الازمة الراهنة مع واشنطن. فالرئيس محق في اتهاماته، ويملك الادلة القاطعة على الدور السلبي لهؤلاء، لكن المشكلة تبدو في مكان آخر. فالرئيس عندما اطلق تصريحاته التطمينية من بكركي صباح عيد الميلاد، واعتبر ان «شبح الحرب» ابتعد، لم يكن يحلل موقفا سياسيا، بل كانت لديه معطيات اميركية جدية نقلها السفير الاميركي ميشال عيسى، بتدخل بلاده للحد من التصعيد الاسرائيلي، وجاء ذلك عقب اجتماع «مثمر» للجنة الميكانيزم، حضره حينئذ رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم، الذي حمل معه ايضا اجواء ايجابية سمعها من الجنرال الاميركي، الذي اشاد بعمل الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وكانت كل المعطيات تشير الى وجود تفهم اميركي لوتيرة العمل الميداني، بما يسمح لتمديد فترة «السماح» الى نحو 4 اشهر جديدة، قبل استئناف الضغط لتنفيذ «حصر السلاح» شمال الليطاني.
لكن المفاجأة غير السارة، جاءت مطلع العام الجديد مع دخول التصعيد الاسرائيلي مرحلة جديدة غير مسبوقة، حيث توسعت مروحة الاعتداءات لتصل الى صيدا، وتشمل مناطق واسعة شمال الليطاني، تزامنا مع تسريبات اسرائيلية عن عدم وجود «خطوط حمراء»، سواء في الضاحية الجنوبية او بيروت.
وهنا تقول المصادر،غاب الاميركيون عن «السمع» ومنحوا «اسرائيل» كل التبريرات لمواصلة الحملة الجوية دون اي تحفظات، في توقيت حساس جدا، عشية انعقاد جلسة الحكومة لمناقشة تقرير الجيش حول خطة «حصر السلاح»، و "رسالة» واضحة وصلت الى بيروت، مفادها «اما الالتزام بالاجندة الاسرائيلية، او مواجهة تصعيد غير محدود جغرافيا، يلامس حدود «ميني حرب» دون الانزلاق اليها»؟!
وامام هذه الوقائع، تبدو السلطات اللبنانية في موقف لا تحسد عليه، فلا معلومات عند المسؤولين عن اسباب التراجع الاميركي عن ضخ الاجواء الايجابية، ولا عن طبيعة الخطوة المرتقبة لاحقا. واليوم ثمة استحقاق في الحكومة لا يمكن تجاوزه بسهولة، ويبدو ان كل الخيارات «أحلاها مر»، تجميد خطة حصر السلاح شمال الليطاني له ثمن، واي «دعسة ناقصة» داخليا قد يكون له ثمن اكبر، ولا مخرج الا «باللعب» على الكلام، ومحاولة شراء الوقت، بانتظار رد الفعل الاميركي، علما ان واشنطن تملك احاطة كاملة عن طبيعة الموقف اللبناني المنتظر.!
وفي هذا السياق، تشير اوساط ديبلوماسية الى ان الاميركيين دخلوا في مرحلة اعادة الحسابات ازاء الملف اللبناني، وباتوا اقرب الى الموقف الاسرائيلي القائل بضرورة اقفاله في اقرب وقت ممكن، دون ان يكون الاتفاق ناجز على طريقة الوصول الى ذلك. لكن واشنطن كانت حريصة بالامس على ايصال «رسالة» الى السلطات اللبنانية، من خلال بيان صدر عن السفارة الاميركية، اعلنت فيه «ترحيب الولايات المتحدة الأميركية بالخطوات الإصلاحية التي تتخذها حكومة الرئيس نواف سلام، بما في ذلك موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون الفجوة المالية، مما يُسهم في عودة ثقة المؤسسات المالية الدولية، بما فيها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في الاقتصاد اللبناني ويساعده على التعافي. وتعتبر هذه الإصلاحات خطوات هامة نحو استعادة الثقة في النظام المصرفي اللبناني كما تمثل تقدما إيجابيا يخدم مصالح لبنان على المدى الطويل وتساعد في جذب الاستثمارات الدولية».
اقتصار التهنئة الاميركية على الشق الاقتصادي، والاشارة بالاسم الى سلام، يحمل دلالة واضحة على وجود رضى اميركي على مسار هذا الملف الذي ساهموا بانضاجه، بينما تركوا باب التأويل مفتوحا على الملف الامني، بانتظار الخطوات العملانية التي يحملون مسؤوليتها الى رئيس الجمهورية، باعتباره المسؤول الفعلي عن ملف السلاح، ويفاوض حزب الله عليه. وستكون الساعات المقبلة حاسمة لفهم طبيعة الموقف الاميركي.
وفي الخلاصة، لا يوجد سوء فهم للموقف الاميركي، بل ثمة تقلبات اميركية تتأثر بالتطورات، وتحاول الاستفادة منها لفرض شروط والحصول على تنازلات، فابقاء الوضع اللبناني «لا معلق ولا مطلق» خطوة مدروسة، وتعمل واشنطن على تحريك القطع على لوحة الشطرنج في التوقيت الذي يناسبها، والآن استجد حدث سوري – «اسرائيلي» افضى الى مفاوضات ايجابية في باريس برعاية اميركية، ويجري الان اعادة ترتيب الخريطة السورية، في لعبة دقيقة للتوفيق بين مصالح تركيا و»اسرائيل»، والترقب سيد الموقف ازاء تداعيات الاحتجاجات في ايران، على وقع «الزلزال» الفنزويلي.
ويبدو ان مراجعة قد حصلت للموقف الاميركي، ولم يعد من مصلحة لتجميد الملف اللبناني الى اجل غير مسمى، وازداد القلق في بيروت من عدم القدرة على تجنيب لبنان «العاصفة» العاتية التي تضرب المنطقة والعالم، ومن المنتظر ان يحصل المسؤولين على اجوبة اكثر وضوحا خلال الساعات المقبلة التي تلي جلسة الحكومة، وعندئذ «سيبنى على الشيء مقتضاه»، بعد ان تتكشف مسارات «الرياح» الاميركية، والتي قد تسمح بالرهان على شراء الوقت أو عدمه؟!
ابراهيم ناصرالدين - الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|