بخط يده.. رسالة تعزية خامنئي في سليماني إلى العلن وهذا مضمونها (صورة)
لبنان بين التفاوض والابتزاز : كيف تُدار معركة السيادة؟
برغم اتخاذ أركان الدولة في لبنان قرار التفاوض مع العدو الإسرائيلي، في محاولة لتحقيق أهداف وطنية مجمع عليها، وفي مقدّمها وقف العدوان، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الإعمار، وتحرير الأسرى، إلا أنّهم يتعرّضون لواحد من أسوأ أشكال الابتزاز السياسي الذي يمسّ بالسيادة والاستقلال وبالقرار الوطني الحر .
ويعبّر عن هذا الابتزاز، بكل صلافة، سفير الولايات المتحدة الأميركية في لبنان، ميشال عيسى، الذي يصرّح من داخل المقرّات الرسمية للسلطة اللبنانية بأن المسار التفاوضي لا يعني إلغاء “مسار النار”، وهو ما يعني عمليًا إعطاء "إسرائيل" الضوء الأخضر لحرية العمل على الأراضي اللبنانية، مع هامش عدواني أوسع يتجاوز الاعتداءات العسكرية المباشرة.
ويمثّل "مسار النار" هذا ما يشبه مسار العصا، الذي تتولّى واشنطن إدارته بشكل أساسي، ويتضمّن أربعة عناصر رئيسية:
العنصر الأول: الهجمات الإسرائيلية بوتيرة تحظى بموافقة أميركية.
العنصر الثاني: التهويل والتهديد والضغط الإعلامي المستمر، المترافق مع الهجمات العسكرية.
العنصر الثالث: الحصار الاقتصادي، ومنع إعادة الإعمار، وعرقلة عودة السكان إلى منازلهم وقراهم وأراضيهم.
العنصر الرابع: التضييق الدبلوماسي عبر ربط العلاقات اللبنانية الغربية والعربية بمدى التقدّم الذي يحقّقه لبنان في تنفيذ المطالب الأميركية.
ويرافق هذه العناصر الأربعة نشاطٌ مكثّف لما يُسمّى اللوبي اللبناني، وهو في حقيقته لوبي "القوات اللبنانية" في واشنطن، الذي يلعب دورًا تخريبيًا وتشويهيًا لمساعي السلطة اللبنانية، ولا سيّما دور رئيس الجمهورية في ترتيب الوضع ما بعد الحرب، بما يراعي خصوصية التركيبة اللبنانية وتوازناتها الدقيقة.
ويمتدّ أداء هذا اللوبي إلى الداخل اللبناني عبر ممارسات استقوائية و"بلطجية"، ومحاولات فرض تعديل أو تغيير في بنية السلطة، سواء من خلال السعي إلى إنتاج قانون انتخابي مفصّل لإقصاء وإضعاف القوة السياسية المقاومة، أو عبر الدور السلبي الذي يمارسه وزير الخارجية في التعاطي مع ملفات حسّاسة، وفي مقدّمها محاولات تخريب العلاقات التاريخية بين لبنان وإيران.
في ظلّ هذا المشهد المعقّد والمرتبك، تبدو الدولة اللبنانية مغلوبة على أمرها، منقادة نحو الانزلاق إلى تنازلات، أقلّ ما يُقال فيها إنّها تمسّ بالأصول السيادية للبنان. والحال أنّ الدولة اللبنانية لم تكن كذلك قبل الحرب الأخيرة، إذ عاشت على مدى سنوات طويلة واقعًا مختلفًا.
فمنذ عام 1993، تاريخ عملية "تصفية الحساب"، وصولًا إلى محطة الترسيم البحري، فاوضت الدولة اللبنانية مستندة إلى ميدان فاعل فرضته المقاومة، ونجحت في تحقيق مكاسب استراتيجية تصبّ في مصلحة سيادة لبنان.
وقد شكّلت المحادثات التي جرت في نيسان 1996، والتي شارك فيها بفعالية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، نموذجًا واضحًا لكيفية تمكّن الدولة من إدارة دبلوماسية تستند إلى عنصر القوة. فقد أفضت تلك المحادثات إلى تفاهم نيسان الشهير، الذي فرض قيودًا على العدوانية الإسرائيلية، وحمى المدنيين اللبنانيين من الاعتداءات التي دأبت "إسرائيل" على تنفيذها تعويضًا عن عجزها الميداني أمام المقاومة.
وفي عام 2000، تمكّن فريق الجيش اللبناني المكلّف بالتثبّت من الانسحاب الإسرائيلي من تحصيل الحقوق اللبنانية حتى آخر شبر من الأرض، ولم يتردّد الرئيس إميل لحود في إغلاق خط هاتفه في وجه وزير الخارجية الأميركية، في موقف عبّر بوضوح عن سيادة لبنان وكرامته.
هذه المواقف القوية التي اتخذتها الدولة اللبنانية، والتي كانت تبعث لدى المواطنين شعورًا بالاطمئنان إلى قدرة لبنان على تحقيق قدرٍ من المناعة السيادية في مواجهة أي محاولة للمساس بسيادته، تبدو اليوم متلاشية وهشّة. وقد يرى البعض أنّ السبب الرئيسي لذلك يعود إلى نتائج الحرب الأخيرة وتبدّل موازين القوى، الأمر الذي يدفع الدولة اللبنانية إلى التجاوب مع الضغوط بهدف الحدّ من الخسائر.
إلا أنّ مقاربة هذه المسألة يجب أن تنطلق من واقعية تقرّ بأنّ الحرب الأخيرة فرضت وقائع جديدة ومتغيّرات وموازين قوى مختلفة، لكنّ جعبة لبنان ليست خالية من أوراق القوة. بل إنّه لا يزال قادرًا على الاستناد إلى هذه الأوراق، بل وعلى تعزيزها وتطويرها أيضًا.
الباب الأول في هذا المسار يتمثّل في الوحدة الوطنية القائمة على التمسّك بالحقوق السيادية، وهو ما يكرّر رئيس مجلس النواب نبيه بري الدعوة إليه بقوله: «أعطونا وحدة وطنية وخذوا لا خوف على لبنان». وبناءً عليه، تتحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية العمل الجاد على تعزيز وتكريس الوحدة الوطنية، وتقوية مناخ التوافق والتضامن بين مختلف فئات الشعب اللبناني.
المسألة الثانية تتمثّل في حفظ وحماية المقاومة، التي شكّلت على مدى أكثر من ثلاثين عامًا سببًا رئيسيًا في قوة الموقف الرسمي اللبناني. فهذه المقاومة، ورغم ما تعرّضت له، ما زالت صامدة، وقد رفعت كلفة تقدّم العدو في أرض الجنوب، فحمَت تراب الوطن بدماء مقاتليها الشجعان. وهي لا تزال موجودة، حاضرة، ومتحفّزة للدفاع عن الأرض والوطن.
وعلى المعنيّين في لبنان أن يقتنعوا بأنّ تمسّك الدولة بالمقاومة كجزءٍ من أوراق قوة لبنان لا يجلب الحرب، بل يشكّل أحد أبرز عناصر حماية البلاد. أمّا إذا كان العدو قد اتخذ قرارًا بالمساس بالسيادة اللبنانية، فإنّه سيُقدم على ذلك بغضّ النظر عن موقف الدولة من مسألة نزع السلاح، وما تشهده سوريا يُعدّ دليلًا واضحًا لا يحتاج إلى شرح أو تفسير. وعليه، فإنّ التفريط بالمقاومة، أو الضغط عليها، وتحويلها من عنصر قوة إلى مشكلة داخلية، يشكّل مسارًا معاكسًا بالكامل للمصلحة الوطنية اللبنانية، ولن يوفّر للبنان أمنًا، ولن يجنّبه العدوان، بل على العكس، سيؤدي إلى تصاعد الضغوط وارتفاع احتمالات توسّع العدوان.
أمّا المسألة الثالثة، فتتمثّل في تبنّي موقف الرئيس نبيه بري القائل: «لا تفاوض تحت النار»، وهو ما يعني تلقائيًا عدم القبول بأي تفاوض في ظلّ الابتزاز. وإذا كانت نوايا واشنطن صادقة فعلًا في تأمين الهدوء — وهو أمر محلّ تشكيك — وإذا كانت الإرادة الدولية تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار، فإنّ المقدّمة الضرورية لذلك تتمثّل في إلزام العدو بوقف اعتداءاته وخروقاته للقرار الدولي 1701. وما صدر عن قائد قوات “اليونيفيل” لجهة عدم تسجيل أي خرق من جانب المقاومة يُشكّل مستندًا قويًا بيد الدولة اللبنانية، يتيح لها اعتماد موقف أكثر صلابة وقوة في المواجهة السياسية والدبلوماسية.
المسألة الرابعة تتمثّل في تفعيل الدبلوماسية المضادّة. وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من طاقات المغتربين والمنتشرين اللبنانيين في دعم الحق اللبناني والدفاع عنه، وهي مسؤولية واضحة تقع على عاتق وزارة الخارجية، التي ما زالت مقصّرة حتى الآن في القيام بهذا الدور. إنّ الاعتداءات الإسرائيلية، ولا سيّما جرائم قتل اللبنانيين على الطرقات، ومن بينهم أعضاء في مجالس بلدية، ومديرو مدارس رسمية، وعاملون في مؤسساتهم الاقتصادية الخاصة، تشكّل مادة دامغة وقوية لإدانة العدو على المستويات الدولية. إلا أنّ التقصير في هذا المجال واضح، ويبلغ في بعض جوانبه حدود التواطؤ على حقوق اللبنانيين، والمساهمة في تغطية جرائم العدو. وهذه السياسة يجب أن تتوقّف فورًا، وأن تُستبدل بسياسة فاعلة تقوم على تسليط الضوء على إجرام العدو، وهو ما يستدعي سحب هذا الملف من يد وزير فئوي، ووضعه بعهدة الحكومة اللبنانية مجتمعة.
المسألة الخامسة تقوم على بناء مسارٍ موازٍ يعمل على بحث استراتيجية الأمن الوطني والاستراتيجية الدفاعية، بحيث تتّخذ الدولة قراراتها ضمن إطار سيادي واضح، يستند إلى قاعدة المصالح الوطنية العليا، وعلى أرضية صلبة من الوفاق الوطني.
المسألة السادسة تتمثّل في أن تفرض الدولة اللبنانية وقائع ميدانية في ملف إعادة الإعمار، على اعتبار أنّ إعادة إعمار القرى وعودة الأهالي إليها مسألة وطنية بامتياز، تقع مسؤوليتها الأولى والأخيرة على عاتق الدولة. ويمكن للدولة، في هذا السياق، تكليف الجيش اللبناني بمهمة تأمين الحماية والمراقبة لجهود إعادة الإعمار، ولا سيّما أنّ عددًا كبيرًا من أبناء القرى مستعدّون لإعادة بناء منازلهم بأيديهم وإمكاناتهم.
فأبناء الجنوب ليسوا بحاجة إلى منّة من أحد لإعادة إعمار بيوتهم، إذ لطالما نهضوا من تحت الركام خلال الحروب المتعاقبة، بلحمهم الحي وبجهودهم الذاتية.
إنّ القسم الذي أدّاه أركان الدولة للحفاظ على الوطن يفرض عليهم إخراج لبنان من دائرة الابتزاز المهين الذي تمارسه ثنائية واشنطن – تل أبيب، وصون كرامة لبنان عبر موقف وطني يستند إلى إرادة الشعب اللبناني الحر. أمّا استمرار السلطة في الخضوع للهيمنة والإملاءات الخارجية، فيشكّل تهديدًا مباشرًا لمشروع الدولة اللبنانية، ويضعه في دائرة الخطر.
فالدولة التي تفشل في صون كرامة البلاد تصبح دولة خارج الخدمة، فاقدة للصلاحية، وعاجزة عن أداء الوظيفة التي وُجدت من أجلها.
بثينة عليق - الميادين
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|