من التشريع إلى التعطيل... قانون العفو نافذ والإفراج في قبضة الإجتهادات القضائية
ملف العفو العام تابع. والمفروض ألا تكون هناك تتمة وليس عودٌ على بدء. فإما أن يبدأ القضاء بتنفيذ القانون بعد إزالة العراقيل الإدارية أو يتحول الملف إلى قضية تمرد داخل السجون.
في 12 تشرين الأول 2026، أصدر المجلس الدستوري قراره الرقم 12/2026، وقضى بالإجماع بردّ طلب إبطال قانون العفو العام بالكامل، لكنه أبطل أجزاء محددة منه، وأرفق مواد أخرى بتحفظات وتفسيرات دستورية ملزمة. وبذلك، لم يسقط القانون، بل بقي قائماً بعد إدخال التعديلات التي فرضها القرار الدستوري.
من أبرز ما قرره المجلس اعتماد الأول من آذار 2026 تاريخاً فاصلاً موحداً للجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها، وإبطال بعض العبارات التي كانت تضع شروطاً زمنية مختلفة. كذلك شدّد على استثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري من نطاق العفو، وأوضح أن العفو لا يشمل العقوبات التأديبية المستقلة عن الملاحقات الجزائية، وبعد حسم الطعن الدستوري، انتقل الملف إلى مرحلة التنفيذ القضائي، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى الإفراج السريع عن المستفيدين إذ ارتأت النيابة العامة التمييزية تشكيل غرفة عمليات مركزية وغرف فرعية في المحافظات لجمع ملفات السجناء وتدقيقها. إلا أن تعدد المحاكم والمرجعيات القضائية، والحاجة إلى مراجعة الأحكام والملاحقات والسجلات العدلية، أخّرت عملية التنفيذ.
بحسب القانون يتوزع المستفيدون من قانون العفو العام إلى ثلاث فئات: المستفيدون من العفو العام الكامل، بحيث تسقط عنهم الدعوى العامة أو العقوبة ضمن الشروط المحددة، ومحكومون لا تشملهم أحكام العفو الكامل، لكن يستفيدون من تخفيض مدة العقوبة وفق المادة الثالثة، وموقوفون ومحكومون لا تنطبق عليهم شروط القانون، أو لديهم ملفات وأحكام أخرى تحول دون إطلاق سراحهم.
كما استثنى القانون فئات من الجرائم، أبرزها الجرائم المحالة على المجلس العدلي، والقتل العمدي أو القصدي ضمن الحالات المحددة، والجرائم الإرهابية المشمولة بالاستثناءات، فضلاً عن جرائم أخرى نص عليها القانون وقرار المجلس الدستوري.
في 26 تشرين الأول 2026، اتخذ مجلس القضاء الأعلى قرار تشكيل لجنة قضائية وكلّفها دراسة أصول تطبيق القانون والإشكاليات التي تعترض تنفيذه، على أن ترفع تقريرها قبل نهاية الأسبوع. وفي 5 تشرين الثاني، تألفت اللجنة من أربعة قضاة من مجلس القضاء الأعلى، وانطلقت في عملها من ورقة تفاهم مشتركة بين المدعين العامين وقضاة التحقيق الأول، وبالتنسيق مع المجلس الدستوري. لكن التقرير كشف أن اللجنة لم تكن قد أرسلت حتى ذلك التاريخ تعميماتها أو تقريرها إلى النيابات العامة والقضاة، علما أن المهلة المحددة لإنجاز المهمة كانت قد انتهت.
مدير برنامج الدعم القانوني في مركز سيدار للدراسات القانونية المحامي محمد صبلوح يوضح لـ"المركزية" ان العقدة اليوم تتمثل بتعدد الاجتهادات والإرشادات. فهناك قضاة يرفضون إصدار قرارات بالعفو العام وينتظرون الإرشادات وقضاة يشكون من المشرع اللبناني الذي تحكم بها وأصدر قانون العفو العام. ومن هنا أهمية إرشادات وتوجيهات اللجنة المنبثقة عن مجلس القضاء الأعلى. ومن هنا التعويل على عمل اللجنة القضائية التي تشكلت من 4 قضاة من المجلس الأعلى ومهمتها إعطاء توجيهات تكون بمثابة خارطة طريق للقضاة لتطبيق آلية العفو العام وإن كانت غير ملزمة".
لقاء مدعي عام التمييز القاضي أحمد الحاج مع رئيس المجلس الدستوري القاضي طنوس مشلب حسم الجدل بأمور مهمة جدا، يقول صبلوح، ومن أبرز العراقيل التي أزيلت تحديد آلية احتساب السنة السجنية، ولا سيما الخلاف بين 28 و17 سنة، ومعالجة إشكاليات جرائم المخدرات، خصوصاً تعدد الملاحقات والأحكام،وتحديد نطاق استثناء جرائم القتل ومحاولات القتل والتحريض، وتوضيح أحكام العفو المتعلقة بالتزوير والفساد المالي.وهذه المسائل كانت من الأسباب التي أدت إلى اختلاف المقاربات بين بعض القضاة، إذ بدأ بعضهم البت بالملفات وفق تفسيره للقانون، فيما فضّل آخرون انتظار توجيهات موحدة.
ما يخشاه صبلوح أن يتحول عامل الوقت إلى فتيل داخل السجون علما أن "النيابة العامة التمييزية تتابع الموضوع عن كثب في مسألة البت بإخلاء السجناء الذين شملهم العفو العام. لكن هذا الأمر يحتاج إلى خلية نحل لتنفيذه على الأرض. ويلفت إلى أن هناك بعض المحاكم التي بدأت العمل على إسقاط الأحكام عن المشمولين بالعفو العام ومنها المحكمة العسكرية والجنايات والجزائية لكن هناك قضاة ما زالوا ينتظرون الإرشادات ليبنوا على الشيء مقتضاه، وهذا يحتاج إلى الوقت، وهو ما أدى إلى حالة تمرد وفوضى داخل السجون ونخشى أن ينفد صبرهم لأن النتائج ستكون كارثية .
ويختم صبلوح" المشكلة اليوم ليست في غياب النص القانوني، بل في بطء تطبيقه وتعدد التفسيرات والاجتهادات التي تعطل الإفراج عن المستفيدين منه. وهذه من مسؤولية المؤسسات القضائية المعنية. المطلوب تسريع البت في الملفات وتوحيد المعايير، حتى لا يتحول العفو الذي أُقر لمعالجة أوضاع السجون إلى قانون على الورق، وتبقى مفاعيله معلّقة في أروقة المحاكم".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|