محليات

تسوية ضهر البيدر: القصة الكاملة من الرياض إلى بيروت مروراً بالضاحية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تكن قضية شحنة ضهر البيدر مجرّد ملف أمني انتقل إلى أروقة القضاء، بل تحوّلت، منذ لحظة ضبطها، إلى اختبار سياسي بالغ الحساسية للعلاقة بين الدولة وحزب الله، وإلى صاعق كاد أن يفجّر مواجهة داخلية يصعب تقدير حدودها. ومع تصاعد التوتر، دخلت على الخط جهات دبلوماسية نافذة في بيروت، في محاولة لاحتواء الأزمة قبل انتقالها إلى مرحلة يصعب التحكّم بتداعياتها.

للمرة الأولى منذ انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، عادت "الخماسية" (بإستثناء الولايات المتحدة) إلى الظهور، ولكن بوظيفة مختلفة. لم تكن مهمتها البحث في الاستحقاقات الدستورية أو إعادة ترتيب التوازنات السياسية، بل تولّت، عملياً، دور "وحدة نزع ألغام"، للمساعدة في تفكيك أزمة كانت تهدّد الاستقرار الداخلي.

استند التحرّك الدبلوماسي إلى معطيات أمنية وصلت إلى الجهات المعنية، وبلغت كذلك مختلف المستويات الرسمية، تفيد بأن حزب الله بات مستعداً للانتقال إلى خطوات داخلية تصعيدية، تتوزّع بين تحرّكات شعبية وإجراءات سياسية وإدارية، وتشمل النزول إلى الشارع، في حال اختارت السلطة رفع مستوى المواجهة معه عبر إحالة ملف ضهر البيدر إلى المجلس العدلي.

وفُهم أن الحزب كان يتّجه نحو وضع الجميع أمام خيار سياسي حاسم. وقد أرسل إشارات في هذا الإتجاه. ميدانية عبر تحركات محدودة، وسياسية من خلال رفع وتيرة خطابه التصعيدي وإرسال تهديدات. وفهم بأن الحزب سوف يذهب إلى "زرك" الجميع في خيار سياسي يقوم على قاعدة "معي أو ضدي". وأنه في حال الوصول إلى هذه الحالة التي يصعب إحتواء تداعياتها أو الرجوع عنها، سوف تفرض التحولات والمخاطر على رئيس مجلس النواب نبيه بري، التموضع خلف الحزب، وسوف يأخذ في طريقه الزعيم وليد جنبلاط، وسوف تكون الحكومة في خطر إنهيار السيبة التي تقوم عليها.

ومن هنا، تقاطعت النصائح الدبلوماسية عند ضرورة نزع فتيل الانفجار، وعدم دفع البلاد نحو مواجهة داخلية في ظلّ مناخ إقليمي شديد التوتر، والأهم عدم توفير الظروف التي قد تؤدي إلى إسقاط الحكومة.

توزّعت جهود الاحتواء على ستة أطراف، أربعة منها تنتمي إلى "الخماسية"، وهي السعودية ومصر وقطر وفرنسا، فيما حضرت إيران بوصفها الطرف الخامس من خارج هذا الإطار، وحضر رئيس الجمهورية بوصفه الطرف السادس.

وكانت الحسابات السياسية المرتبطة ببقاء الحكومة حاضرة بقوة في خلفية هذه التحرّكات. ففي حال نجح الحزب في دفع بري وجنبلاط ووزراء سنّة إلى الاعتكاف أو الخروج من الحكومة، فإن ذلك كان سيؤدي، وفق القراءة التي استندت إليها جهود الاحتواء، إلى اختلال موازين القوى داخل مجلس الوزراء لمصلحة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي سيصبح عملياً المتحكم بمسار الحكومة.

وعندها، قد تتحوّل أي مقاطعة من جانب وزراء "القوات" إلى وسيلة لتعطيل النصاب، ويصبح على من يريد عقد جلسة لمجلس الوزراء أن يعود إلى معراب، ويرسل إليها جدول أعمال الجلسة للموافقة عليه، بما يمنح جعجع موقع الشريك الإلزامي في تحديد ما يمكن طرحه على طاولة الحكومة وما لا يمكن طرحه.

وبذلك، نشأت مظلّة دبلوماسية وسياسية غير معلنة، التقت عند هدف واحد، وإن اختلفت حسابات المشاركين فيها: منع انفجار الأزمة اللبنانية والحفاظ على التوازنات القائمة داخل السلطة.

ضمن هذا المشهد، برز الدور السعودي، وتحديداً دور الأمير يزيد بن فرحان، الذي توافرت لديه، بحسب المعطيات، معلومات جدّية عن احتمال لجوء الحزب إلى تحرّك داخلي يستهدف إسقاط الحكومة، بما يضع السلطة والقوى السياسية أمام مأزق مفتوح.

وعلى هذه الخلفية، تواصل بن فرحان مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ناقلاً موقفاً سعودياً لا يحبّذ الانزلاق إلى دورة عنف داخلية، في لحظة إقليمية لا تحتمل المزيد من التصعيد.

وفُهم أن الرياض تخشى انهيار الحكم في لبنان من بوابة زعزعة الحكومة، ولا ترغب، في ظلّ انشغالها بالملف اليمني وملفات المنطقة، في فتح ملف لبناني متفجّر، أو الدخول في مسار قد يؤدي إلى تراجع نفوذها لمصلحة أطراف إقليمية أخرى.

كما فُهم أن بن فرحان تمنّى على بري العمل على إيجاد مخرج يحفظ الاستقرار، على أن يبقى تحت سقف القضاء اللبناني، فلا يظهر بوصفه تسوية سياسية تُسقط مبدأ المحاسبة، ولا يتحوّل في المقابل إلى إجراء قضائي يُستخدم لفتح مواجهة مع الحزب.

هنا، دخل بري على خط إنتاج التسوية، مستفيداً من موقعه وعلاقاته وقدرته على التواصل مع الأطراف المعنية. وبحسب المصادر، انطلق رئيس المجلس من معادلة تقوم على التوفيق بين ضرورات المرحلة: حفظ صورة الدولة أمام الخارج، وصون التزاماتها وقراراتها، وعدم تجاوز المعيار الذي وضعه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اتصاله مع الرئيس عون، والقائم على محاسبة المسؤولين عن شحنة ضهر البيدر.

وكان عون قد طلب أخذ هذا المعيار في الاعتبار، لكونه التزم أمام روبيو بمتابعة ملف ضهر البيدر ومحاسبة المسؤولين عنه، باعتبار ذلك مطلباً أميركياً مباشراً. وعليه، كان المطلوب إيجاد صيغة تحقّق المحاسبة القضائية، من دون الذهاب إلى خيارات قد تفتح الباب أمام انفجار داخلي.

ومن هذه المعادلة وُلد المخرج القضائي.

قام الحل على إبقاء الملف ضمن صلاحيات القضاء العسكري، باعتباره المرجعية المختصة بالنظر في قضايا مماثلة، مع دفع الأجهزة الأمنية إلى تسريع التحقيقات، بما يتيح الانتقال إلى مرحلة الادعاء. ولم يكن الهدف، وفق المصادر، إنتاج تسوية تُخرج الملف من القضاء، بل التوصّل إلى تفاهم يحدّد الإطار القضائي الذي ستُعالَج ضمنه القضية.

استند هذا التوجّه إلى اعتبار أن الشحنة المضبوطة تشكّل مخالفة لقرارات مجلس الوزراء والقوانين المرعية الإجراء التي تنظّم حيازة الأسلحة ونقلها، وأن الوقائع المطروحة يمكن أن تُعالَج أمام القضاء العسكري.

واستُحضرت، في هذا السياق، قضية الوزير السابق ميشال سماحة المتعلّقة بنقل المتفجرات من سوريا، والتي نُظرت أمام القضاء العسكري وصدر حكم بشأنها، باعتبارها سابقة يمكن الاستناد إليها في إبقاء ملف ضهر البيدر ضمن المسار القضائي نفسه، من دون إحالته إلى المجلس العدلي.

والفارق هنا ليس شكلياً. فالإحالة إلى المجلس العدلي كانت ستمنح القضية أبعاداً سياسية وقضائية أشدّ خطورة، بينما يتيح إبقاؤها أمام القضاء العسكري حصر الملاحقة بالأفعال والأفراد المعنيين بها، وفق ما تثبته التحقيقات، من دون التوسّع تلقائياً نحو تجريم التنظيم، أي حزب الله، والادعاء عليه باعتباره الجهة التي يُفترض أن الشحنة كانت متجهة إليها.

وعليه، جاء الادعاء العسكري استناداً إلى مواد من قانون الأسلحة والذخائر وقانون العقوبات، تتصل بنقل الأسلحة وتشكيل عصابة أشرار. وبحسب القراءة التي استند إليها التفاهم، فإن هذا المسار يتيح معالجة الوقائع ضمن نطاق الملاحقات الفردية، والفصل عملياً بين الأفراد والتنظيم، خصوصاً أن التحقيقات لم تثبت انتماء بعض ناقلي الشحنة إلى الحزب، وإن كانوا قد أقرّوا بأنهم ينقلون الأسلحة لمصلحته.

بعد إنضاج الإطار العام للتسوية، والتنسيق بين رئيسَي الجمهورية ومجلس النواب، برز دور المدير العام للأمن العام، اللواء حسن شقير، في استكمال الترتيبات وتأمين التوافق حول التخريجة المناسبة.

تحرّك شقير، بتكليف من الرئيس عون، على خطوط التواصل المختلفة، بما فيها حزب الله، ناقلاً مقاربة تقوم على ضرورة تقبّل المخرج القضائي باعتباره نتيجة لمخالفة قرارات مجلس الوزراء، لا خطوة تستهدف الحزب بوصفه تنظيماً. وفي المقابل، تبلور فهم لدى المعنيين بأن الملف لن يُنقل إلى المجلس العدلي.

وبدا أن شقير نجح في تسويق المخرج ونزع الاعتراضات عليه، وتمريره بالحدّ الأدنى من التوتر. وقد انعكست اجتماعاته المكوكية على موقف الحزب، الذي اقتصر على تصريح للنائب حسين الحاج حسن، خلا من عبارات الرفض المباشر للمخرج القضائي، وركّز على اعتبار القرار مخالفاً للمواثيق الدولية التي تتيح مقاومة الاحتلال.

أما العنصر الأكثر حساسية في التسوية ـ التفاهم، فتمثّل في الفصل بين الحزب والأفراد الذين تولّوا نقل الأسلحة. إذ اقتصر الادعاء على أشخاص محدّدين تحت مواد قانون قانون العقوبات 335 و288 و307، معطوفةً على المواد 24 و72 و76 من قانون الأسلحة، من دون الانتقال إلى اتهام التنظيم بحدّ ذاته، أو توظيف المواد 312 و314 و315 من قانون العقوبات لتوسيع الملاحقة في اتجاه توصيفات إرهابية.

وتكشف مصادر قضائية أن الموقوفين لم يعترفوا بأنهم نقلوا الأسلحة بناءً على تكليف مباشر من حزب الله، بل تحدّثوا عن تنسيق مع أفراد أبلغوهم بأن الشحنة مخصّصة للحزب. كذلك، لم يثبت، بحسب المصادر نفسها، انتماء بعض الموقوفين إلى التنظيم بصورة مباشرة، فيما تبيّن أن بعضهم تولّى عمليات النقل لقاء مبالغ مالية.

هذه التفاصيل لم تكن هامشية في إنتاج الحل، بل شكّلت إحدى ركائزه الأساسية، لأنها أتاحت الفصل بين المسؤولية الفردية والمسؤولية التنظيمية، ومنعت انتقال الملف إلى مستوى قضائي وسياسي مختلف.

استغرق إنضاج التفاهم أياماً من الاتصالات، وشمل مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، كلود غانم، قبل أن تظهر مفاعيله السياسية بصورة أكثر وضوحاً.

وبحسب معلومات قضائية وأخرى سياسية، أبدى غانم تعاوناً في حصر الادعاءات بمواد قانونية محدّدة تتناسب مع الأفعال موضوع التحقيق، من دون التوسّع في توصيفها أو نقلها إلى مستويات اتهامية أخرى.

وكان من أبرز النتائج السياسية لهذا المسار نجاح الرئيس عون في تجاوز الضغوط التي مارستها القوات اللبنانية لدفع الحكومة نحو إحالة الملف إلى المجلس العدلي.

فرغم انسحاب وزراء "القوات" من الجلسة الأولى في بعبدا، ثم مقاطعتهم الجلسة الثانية في السراي الحكومي، لم يخضع عون لإبتزاز جعجع. بل مضى في استكمال التفاهم الداخلي، بالتوازي مع تسريع التحقيقات والادعاء أمام القضاء العسكري، بما ضيّق عملياً هامش العودة إلى خيار المجلس العدلي.

هكذا، اكتملت التسوية التي لم تُعلن بصفتها تسوية، بل قُدّمت على أنها مسار قضائي طبيعي. غير أن خلفيتها السياسية والدبلوماسية تكشف أنها كانت أبعد من مجرّد إجراء قضائي، إذ أدّت وظيفة مزدوجة: تثبيت سلطة الدولة من جهة، ومنع انتقال المواجهة مع حزب الله إلى مستوى أكثر خطورة من جهة ثانية.

وبخلاف الطريقة التي تعامل بها بعض المقرّبين من الحزب مع نتائج التفاهم، فإن ما تحقّق يمثّل الحدّ الأدنى الذي كان يحتاج إليه الطرفان. فقد حصل الحزب على جزء أساسي مما أراده، فيما تمكّنت الدولة من تثبيت مبدأ خضوع نقل الأسلحة للمساءلة القضائية. وبذلك، أمكن تقديم النتيجة على أنها صيغة Win-Win Situation، أي تسوية يخرج منها الطرفان بمكاسب، وإن لم يحصل أيّ منهما على كامل مطالبه.

بالنسبة إلى حزب الله، فإن مجرّد التلويح بالانتقال إلى خطوات تصعيدية داخلية، منذ ضبط الشحنة عند ضهر البيدر، وصولاً إلى إقرار النائب حسن فضل الله بأنها كانت متجهة إلى المقاومة، كان كافياً لإظهار امتلاكه أوراق قوة لا يزال قادراً على استخدامها في مواجهة السلطة.

والأهم، من وجهة نظر الحزب، أن الحل لم يُنتج من خارج التنسيق معه، بل جاء بعد اتصالات شملته بصورة مباشرة، ما يعني أن محاولات التعامل معه بوصفه طرفاً يمكن تجاوز موقفه في القضايا الأمنية الكبرى لم تنجح في هذه المحطة.

كذلك، اقتصر الادعاء على شحنة واحدة، من دون أن يمتدّ إلى شحنات أخرى مضبوطة، ولم يتطوّر إلى ملاحقة التنظيم بوصفه مجموعة إرهابية. وهي نتائج تكتسب أهمية خاصة في ظلّ المناخ السياسي الذي أحاط بالقضية منذ بدايتها.

لكن حسابات الحزب لم تكن محصورة في المصير القضائي للشحنة. فعملية نقل الأسلحة، إلى جانب ارتباطها بحاجاته العسكرية في سياق الاستعداد لاحتمال تجدّد الحرب مع إسرائيل، انطوت على محاولة عملية لإسقاط مفاعيل قرارات مجلس الوزراء الصادرة في 2 و5 آب و2 آذار، أو على الأقل إظهار عدم التزامه بها.

صحيح أن النتائج القضائية لم تمنحه القدرة على إسقاط تلك القرارات، لكنها لم تمنعه من تكريس موقفه العملي منها. فقد قرن اعتراضه السياسي بالفعل الميداني، وأظهر أنه يتعامل مع القرارات الحكومية المتعلقة بالسلاح كما لو أنها غير موجودة.

في المقابل، تنظر الدولة إلى النتيجة من زاوية مختلفة. فهي تعتبر أنها نجحت في فرض مبدأ إخضاع أي نشاط عسكري خارج الأطر القانونية للمساءلة القضائية، وأن استكمال التحقيقات وصولاً إلى الادعاء يشكّل ردّاً عملياً على محاولة تجاوز قراراتها أو التعامل معها بوصفها حبراً على ورق.

كما أن احتواء الأزمة، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو إسقاط الحكومة، منح السلطة فرصة لتثبيت موقعها السياسي، وكبح المسار التصعيدي الذي كان يمكن أن يهدّد استقرارها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا