حنكش يحذّر من استمرار الانتظار... لبنان ليس رهينة حسابات الآخرين
حقوق الإنسان وسيادة القانون: أين تنتهي الحرية وتبدأ الفوضى؟
أثار تحذير منظمة العفو الدولية من مشروع قانون فرنسي يُعرف إعلامياً بـ "قانون مثيري الشغب" نقاشاً مهماً حول العلاقة بين حقوق الإنسان وسيادة القانون. فالمنظمة تخشى أن يؤدي المشروع إلى تحميل أشخاص تبعات مالية عن أعمال تخريب ارتكبها آخرون، من دون إثبات مسؤوليتهم الشخصية. لكن هذا النقاش يطرح سؤالاً أساسياً: كيف نحمي حرية التظاهر والتعبير من دون أن نتجاهل حقوق المواطنين الذين يتعرضون للتخريب وتدمير الممتلكات وخسارة أرزاقهم؟
لا شك أن التظاهر السلمي حق أساسي، لكن أصحاب المتاجر والعمال والعائلات المتضررة لهم حقوق أيضاً، ولا يجوز أن تصبح حماية الحريات ذريعة لتجاهل معاناة الأبرياء.
في المقابل، لا يجوز معاقبة شخص لمجرد مشاركته في مظاهرة شهدت أعمال عنف، فالمحاسبة يجب أن تستند إلى الأدلة، وأن تكون المسؤولية فردية لا جماعية: المحاسبة نعم والعقاب الجماعي لا، حماية الحريات نعم والإفلات من المسؤولية لا.
ومن هنا، يحق لنا أن نتساءل عن دور المنظمات الحقوقية في تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد وواجباتهم، وعن مدى اهتمامها بحماية جميع المتضررين لا طرف واحد فقط. وبصراحة، بدأتُ أشعر بأن بعض هذه المنظمات الحقوقية تتأثر بتوجهات أيديولوجية ليبرالية متشددة، قد تجعلها أحياناً تنظر إلى القضايا من زاوية واحدة، وتمنح الأولوية للدفاع عن فئة معينة، من دون إعطاء الاهتمام نفسه لحقوق بقية أفراد المجتمع ومخاوفهم.
فالدفاع عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى موقف أيديولوجي مسبق، ولا أن يؤدي إلى التقليل من أهمية الأمن العام أو حق الدولة في تطبيق قوانينها. ومن حقنا أن نتساءل عمّا إذا كانت بعض هذه المواقف تحقق توازناً حقيقياً بين الحرية والمسؤولية، أم أنها تعكس توجهاً سياسياً يجعل انتقاد السلطات أولوية، حتى عندما تكون هناك حقوق لمواطنين أبرياء تحتاج هي أيضاً إلى الحماية. فالمنظمات الحقوقية مطالبة بالدفاع عن حقوق الجميع، لا بأن تجعل قناعاتها السياسية الليبرالية معياراً تحدد على أساسه مَن يستحق الحماية ومَن تُهمَل معاناته.
إن انتقاد القوانين ضروري عندما تهدد الحريات أو تفتح الباب أمام التعسف، لكن الحكم على أي قانون يجب أن يستند إلى نصوصه الفعلية، وطريقة تطبيقه، والضمانات التي يوفرها لتحقيق العدالة. فليس كل إجراء لفرض النظام انتهاكاً للحريات، وينطبق هذا المبدأ على الولايات المتحدة، حيث يحتدم الجدل حول الهجرة غير النظامية ودور إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في تنفيذ قوانين الهجرة.
وبالتالي من حق الدولة تنظيم الدخول إلى أراضيها، وحماية حدودها، وتطبيق قوانينها من خلال المؤسسات المختصة، كما أن لكل شخص الحق في المعاملة الإنسانية واحترام الإجراءات القانونية الواجبة. وهنا من حقي أن أتساءل: لماذا يتحول تطبيق قوانين الهجرة أحياناً إلى موضع اعتراض، وكأن المطالبة باحترام حقوق الإنسان تقتضي التخلي عن حق الدولة في إنفاذ قوانينها؟
إن انتقاد التجاوزات المحتملة من جانب السلطات أمر مشروع، لكنه لا يعني رفض مبدأ تطبيق القانون نفسه، لان الدولة ذات السيادة تحتاج إلى قوانين واضحة ومؤسسات قادرة على تنفيذها، تماماً كما تحتاج إلى رقابة تضمن عدم إساءة استخدام السلطة. كما إن احترام كرامة الإنسان لا يلغي سيادة القانون، وسيادة القانون لا تبرر انتهاك حقوق الإنسان.
والمطلوب بالتالي ليس الاختيار بين الحرية والأمن، بل ضمانهما معاً من خلال قوانين عادلة تُطبَّق على الجميع دون تمييز أو ازدواجية في المعايير. فالديمقراطية ليست حرية بلا مسؤولية، وليست سلطة بلا ضوابط، إنها توازن بين الحقوق والواجبات، وبين حماية الفرد والحفاظ على النظام العام.
وفي النهاية، ينبغي أن يكون معيار العدالة واحداً في فرنسا والولايات المتحدة وسائر الدول: حماية حق الإنسان في التعبير والاحتجاج، وصون أمن المجتمع وممتلكاته، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن مخالفة القانون، مع ضمان المحاكمة العادلة للجميع. علما ان لحقوق لا تكتمل بالشعارات، والعدالة لا تتحقق بالانتقائية، والدولة القوية ليست التي تتخلى عن قوانينها، بل التي تطبقها بعدل ومسؤولية، وتحمي الأبرياء من اعتداء المشاغبين والخارجين عن القانون، كما تحميهم من تعسف السلطة.
المجتمع العادل هو الذي يصون الحريات، ويحفظ الأمن، ويضمن أن يتحمل كل شخص مسؤولية أفعاله، دون تمييز أو ازدواجية في المعايير. اذ لا بدّ من التأكيد ان حقوق الإنسان وسيادة القانون ليسا نقيضين، بل إن حماية أحدهما لا تكتمل من دون احترام الآخر.
ايليا غنطوس – "أخبار اليوم"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|