الدولة لـ"الحزب": قدّم سلاحك
فجّرت شحنة المتفجرات معركة السلاح في وجه "حزب الله". فبعد الهزيمة العسكرية، لم يعد "الحزب" قادرًا على إخفاء حجم التحدي الذي يواجهه، فلجأ إلى الضغط السياسي والمعيشي، فيما كشفت قضية ضهر البيدر أن المواجهة لم تعد محصورة بالجبهة، بل وصلت إلى قلب الأمن اللبناني. هنا يبدأ الاختبار الأصعب: هل تفرض السلطة قرارها، أم تنكفئ أمام نفوذ السلاح؟
يحاول "الحزب" نقل المعركة إلى الشارع، مستثمرًا الأزمات المعيشية والمطالب المحقة للضغط على رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة. لكن رهانه اصطدم بحسابات رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لا يريد تفجير الحكومة أو دفع البلاد إلى مواجهة مفتوحة. ثم تدخل عون لقطع الطريق على تحويل وجع الناس إلى أداة لتعطيل قرارات السلطة وإرباك العهد.
لم تنجح هذه المحاولة في حجب السؤال الأساسي وهو هل يريد "الحزب" معالجة الأزمة الاجتماعية، أم استخدام الشارع لحماية نفوذه المتراجع، فالمطالب المحقة لا تمنح أي جهة حق توظيفها في معركة سياسية، ولا تبرر تعطيل المؤسسات كلما اقتربت من ملفات حساسة.
كشفت شحنة ضهر البيدر الوجه الأخطر للمواجهة. لم تكن المسألة مجرد نقل متفجرات، بل عادت معها قضية السلاح إلى الواجهة من باب الأمن والقانون. فالشحنة جزء من منظومة عسكرية لا تخضع لقرار المؤسسات الشرعية، ونقلها يطرح أسئلة مباشرة عن الجهة التي تقرر، والجهة التي تنفذ، والحدود التي يقف عندها نفوذ "الحزب".
أعلن "حزب الله" ملكيته للشحنة، وقال إنها مخصصة لمواجهة إسرائيل، نافيًا توجيهها إلى الداخل. لكن تحديد الوجهة المعلنة لا ينهي القضية، ولا يعفي من كشف ظروف النقل والتخزين والجهات التي تولت العملية. فالسلاح لا ينفصل عن المتفجرات التي تتيح استخدامه، والقرار العسكري لا يمكن أن يتحول إلى استثناء دائم من القانون. وإذا كانت الشحنة مرتبطة بالمواجهة مع إسرائيل، فإن ذلك لا يحسم وحده مدى قانونية نقلها ولا يوقف التحقيق في ملابساتها.
وزاد الضغط الأميركي من حساسية الملف، فيما رفعت المتابعة الداخلية والخارجية كلفة أي محاولة لطيّه. لذلك، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بتبرير سياسي أو تسوية سريعة. المطلوب كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، ومنع أي تدخل يحول دون وصول التحقيق إلى خواتيمه.
وحسم عون موقفه بوضع تطبيق القانون في صلب الاختبار الأمني. لم يعد المطلوب احتواء التوتر أو الاكتفاء بالتشدد في الاجتماعات، بل ترجمة الموقف إلى إجراءات فعلية، متابعة التحقيق، وترك الأجهزة المختصة تعمل بلا تدخل، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء. فالرئاسة لا تستطيع المطالبة باستعادة سلطة المؤسسات، ثم السماح بتعطيلها عند أول مواجهة جدية.
تتوقف أهمية هذه الخطوة على ما سيليها. فإذا استكملت الأجهزة عملها، ولم تتراجع السلطة تحت الضغط، تكون قد وضعت حدًا لمحاولات فرض وقائع أمنية خارج القانون. أما إذا انتهى الملف إلى التسويات، فستبقى القرارات الرسمية رهينة التوازنات التي عطلت قيام سلطة فعلية لسنوات.
يلعب "حزب الله" آخر أوراقه تحت ضغط خسائره العسكرية، لكن المتفجرات وضعت السلاح أمام امتحان مباشر. لم تعد المواجهة سجالا سياسيًا حول النفوذ، بل اختبارًا لقدرة المؤسسات على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. ومن هنا قد يبدأ الاصطدام الفعلي بين الدولة والدويلة، إما أن يتقدم القانون حتى النهاية، وإما أن تنتصر مجددًا معادلة السلاح والضغوط. في حين لم يبقى أمام "حزب الله" إلا تقديم سلاحه للدولة، لأن سيناريو علي الطاهر سيتكرر حتمًا، إذا بقي على حاله، لأن القضية أبعد من المتفجرات، بل بدأ فعليًا العد التنازلي لتسليم "الحزب" سلاحه.
آلان سركيس -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|