إقتصاد

الغيوم الملبّدة في الخليج تُنذر بكارثة اقتصادية في لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يواجه البلد اليوم عواصف متتالية، ومن أكثر من جهة، كما أن الأجواء الملبدة تنذر بمزيد من العواصف التي تتجمّع في الخارج والداخل، خصوصًا على مستوى دول الخليج التي باتت في قلب المعركة، في ظل الاعتداءات التي تتعرض لها السعودية، وهي أكبر دول الخليج، وفيها أكبر عدد من اللبنانيين العاملين هناك. والسؤال، ما هي الانعكاسات المتوقعة في الأيام المقبلة على الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان؟ وهل لا تزال الليرة محمية بواسطة النهج الاستثنائي المتبّع منذ 2023، لمراقبة وضبط الكتلة النقدية؟

لم يعد الحديث عن مخاوف تتناول الوضعين المالي والاقتصادي مجرد تحليلات يمكن تجازوها بالاهمال أو الانكار. والآمال الضئيلة التي كانت معلّقة على نمو اقتصادي متوقّع في المرحلة المقبلة، رغم عدم معالجة أزمة الانهيار الذي اندلع في العام 2019، تبدّدت مع مفاعيل الحروب بشقيها اللبناني والخارجي. وقد قضت الحروب التي فتحها حزب الله على نمو الحركة الاقتصادية في الداخل، وعلى فرملة عمليات جسّ النبض التي كانت بدأت، ولو بخجل لدراسة امكانات الاستثمار في لبنان. كما قضت الحروب على مشاريع التوسّع في الداخل، وضربت الحركة السياحية التي كانت بدأت تزدهر قبل اندلاع ما سُمّي "حرب الاسناد".

السؤال الأهم حالياً، هو : هل تستطيع مصادر الدولارات التي تغذّي السوق أن تضمن الاستقرار النقدي، في وقت تتزايد فيه المخاطر المحيطة بتحويلات المغتربين والإيرادات السياحية، وتتسع احتمالات ارتفاع فاتورة الاستيراد بفعل التطورات الإقليمية والأسعار العالمية.

تكمن خطورة المرحلة في أن التوازن النقدي الذي سمح للبنان بتفادي نقص حاد ومستمر في الدولارات يستند الى مجموعة من التدفقات الخارجية، إلى جانب استخدام مدخرات سابقة وتدفقات نقدية يصعب قياسها بدقة. وإذا ما تعرضت هذه المصادر للانكماش في وقت واحد، قد يصبح الضغط على سوق الصرف أكثر صعوبة، ما يفرض البحث عن إجراءات وقائية قبل أن تتحول المخاطر إلى أزمة فعلية.

معادلة الدولارات

يمكن رسم صورة تقريبية للتدفقات السنوية التي كانت تغذي الاقتصاد اللبناني من خلال الأرقام المتداولة. فلبنان يستورد بضائع بقيمة تتراوح بين 20 و21 مليار دولار سنوياً، في مقابل تدفقات أساسية تشمل نحو 6 مليارات دولار من التحويلات الرسمية للمغتربين عبر المصارف وشركات تحويل الأموال، ونحو 4.5 مليارات دولار من الصادرات السلعية، وما يقارب 5 مليارات دولار من الإيرادات السياحية.

تُضاف إلى هذه التدفقات أموال نقدية يحملها المسافرون معهم إلى لبنان، يمكن تقديرها بنحو ملياري دولار سنوياً وفق تقديرات غير رسمية. وبذلك تصل التدفقات المذكورة إلى نحو 17.5 مليار دولار، مقابل فاتورة استيراد تبلغ 20 إلى 21 ملياراً، أي إن هناك فجوة حسابية أولية تتراوح بين 2.5 و3.5 مليارات دولار.

لكن هذه المقارنة ليست ميزان مدفوعات رسمياً، ولا يجوز اعتبار الفارق دليلاً دقيقاً على حجم العجز الفعلي. فبعض التدفقات قد يتداخل في التصنيف، ولا سيما الأموال التي يحملها المسافرون والتي يمكن أن تكون تحويلات مغتربين، كما أن الاستيراد والصادرات والخدمات السياحية تُحتسب وفق قواعد محاسبية مختلفة.

مع ذلك، تطرح هذه المعادلة سؤالاً جوهرياً: كيف كان الاقتصاد يؤمّن الدولارات اللازمة لتغطية الفجوة؟

جزء من الإجابة يكمن في التدفقات النقدية غير المسجلة، بما فيها الأموال التي تدخل عبر قنوات غير رسمية، وجزء آخر في مدخرات بالدولار احتفظ بها مواطنون في منازلهم بعد سحبها من المصارف قبل الأزمة، ثم عادوا إلى استخدامها تدريجياً. غير أن هذه الأموال تمثل، في جانب منها، مخزوناً متراكماً من المدخرات، لا مورداً سنوياً متجدداً يمكن التعويل عليه إلى ما لا نهاية.

وقد أشار البنك الدولي إلى أن انتشار الاقتصاد النقدي المدولر وضعف بيانات ميزان المدفوعات يجعلان تقدير التدفقات الخارجية الفعلية أكثر صعوبة، وأن التحويلات المسجلة قد لا تعكس كامل الأموال الداخلة إلى لبنان.

فاتورة الاستيراد

المشكلة المطروحة اليوم، أن مصادر الدولار الأساسية أصيبت بأضرار كبيرة. فالتحويلات ستتأثر حتماً، بتباطؤ النشاط الاقتصادي في دول الخليج وارتفاع كلفة المعيشة عالمياً، فيما تأثرت السياحة مباشرة بالتطورات الأمنية وبقدرة لبنان على استقطاب الزوار والمغتربين. وقد تراجعت ايرادات السياحة الى النصف تقريبا، مقارنة مع العام 2025.

في المقابل، لا يمكن افتراض أن فاتورة الاستيراد ستنخفض تلقائياً إذا تراجعت هذه التدفقات. فجزء كبير من الواردات يتصل بالغذاء والدواء والمحروقات والمواد الأولية والآلات ومستلزمات الإنتاج. وقد يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة قيمة الفاتورة حتى من دون ارتفاع الكميات المستوردة.

وهنا تبرز أهمية سياسة الاستيراد بوصفها أداة لإدارة المخاطر الخارجية، لا مجرد مسألة تجارية أو جمركية. فخفض الطلب على السلع التي يمكن الاستغناء عنها مؤقتاً قد يخفف الحاجة إلى الدولار، ويمنح السوق النقدية هامشاً إضافياً للصمود إذا تراجعت التحويلات أو الإيرادات السياحية.

تجارب الآخرين

تقدم سريلانكا مثالاً واضحاً وحديثاً على استخدام قيود الاستيراد خلال أزمة ميزان المدفوعات. فقد فرضت السلطات، بين 2020 و2022، قيوداً على استيراد عدد من السلع غير الأساسية، شملت السيارات وبعض السلع الاستهلاكية، ثم توسعت القيود لاحقاً لتشمل بعض السلع الوسيطة والرأسمالية.

وقدّر صندوق النقد الدولي أن القيود ساهمت في خفض فاتورة الاستيراد بنحو 1.2 مليار دولار في 2020، مع وفورات إضافية خلال 2021. لكنها ألحقت أيضاً أضراراً بالنشاط الاقتصادي، وشوّهت الأسواق، وأسهمت في نقص بعض السلع وارتفاع أسعارها. كما أضرت القيود بقطاعات إنتاجية، فيما ساهم حظر استيراد بعض المنتجات الغذائية في تفاقم اختلالات السوق المحلية.

في نهاية المطاف، لم يكن ضبط الاستيراد بديلاً عن الإصلاحات المالية والنقدية، وإعادة بناء الاحتياطات، وتعزيز الصادرات، واستعادة مصادر التمويل الخارجي. ولذلك اتجهت سريلانكا لاحقاً إلى تخفيف القيود تدريجياً مع تحسن الظروف.

تؤكد هذه التجربة أن خفض الواردات يمكن أن يوفر دولارات على المدى القصير، لكنه قد يتحول إلى عامل يضعف الاقتصاد إذا شمل المواد الضرورية للإنتاج أو إذا استمر لفترة طويلة.

في لبنان، قد تكمن الاجراءات المطلوبة مؤقتا، بانتظار المعالجات الاساسية، في تطبيق سياسة انتقائية تستهدف وقف استيراد السلع التي يمكن تأجيل استيرادها أو استبدالها بمنتجات محلية من دون إلحاق ضرر كبير بالإنتاج أو بمستوى معيشة المواطنين.

ويجب أن تشمل الإجراءات تشديد الرقابة على الفواتير والتصنيف الجمركي، ومكافحة التهريب والتلاعب بقيمة الواردات، وتحسين المعلومات المتعلقة بالكميات والأسعار والوجهات. كما يمكن وضع آلية دورية لتقييم الواردات بحسب أثرها على احتياجات الاقتصاد من الدولار، مع حماية مستلزمات الغذاء والدواء والطاقة والإنتاج والتصدير.

ويجب الحذر من استخدام الرسوم الجمركية كأداة وحيدة، لأنها قد ترفع الأسعار على المستهلكين من دون أن تحقق خفضاً كبيراً في الطلب على الدولار، خصوصاً إذا كانت السلع المستوردة أساسية أو لا تتوافر لها بدائل محلية. كما أن القيود الكمية الواسعة قد تشجع التهريب وتخلق فرصاً للفساد، وتدفع المستوردين إلى البحث عن قنوات غير رسمية.

ومن المهم أيضاً ألا تتحول أي سياسة طارئة لمواجهة الكارثة التي بدأت تطل برأسها، إلى حماية غير مشروطة لمنتجين محليين غير قادرين على المنافسة. فالهدف ليس ضرب الاستيراد بأي ثمن، بل تقليص الهدر في استخدام العملات الأجنبية وتشجيع الإنتاج المحلي حيث تتوافر القدرة والجدوى الاقتصادية.

أزمة الصرف

لا شك في أن التحرّك قبل تفاقم الضغوط يتيح للبنان خيارات أوسع وأقل كلفة من الانتظار حتى تظهر أزمة حادة في سوق الدولار. ويمكن للحكومة، بالتعاون مع مصرف لبنان والوزارات المعنية، إعداد تقييم دوري لمصادر العملات الأجنبية وحجم الطلب عليها، وتحديد السلع التي يمكن خفض استيرادها من دون تهديد الأمن الغذائي أو الصحي أو الإنتاجي.

لكن نجاح أي إجراء يتطلب الشفافية، ومدة زمنية محددة، ومعايير واضحة للمراجعة والتخفيف، إلى جانب سياسة موازية لزيادة الصادرات وتشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي. ويجب أن تكون الإجراءات متناسبة مع حجم الضغوط، وألا تتحول إلى قيود دائمة تعزل الاقتصاد عن الأسواق الخارجية.

من هنا، المطلوب حالة طوارئ مؤقتة، والعمل على بناء سياسة وقائية متوازنة. فكل دولار يمكن توفيره من استيراد غير ضروري يخفف الضغط على السوق، لكن كل قيد يرفع كلفة الغذاء أو يعطل الإنتاج قد يولّد خسائر أكبر من الوفر الذي يحققه. وبين هذين الحدين، تكمن قدرة لبنان على حماية استقراره النقدي وتجنّب انتقال أي صدمة خارجية إلى أزمة جديدة في الوضع الاقتصادي وفي سعر الصرف.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا