الصحافة

الدول لا تُدار بالشعارات… بل بالنتائج

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يعد الخلاف بين المحافظين والليبراليين مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أصبح نقاشًا حول هوية المجتمعات، وحدود الحرية، وسيادة القانون، ومسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها واستقرار مؤسساتها. ومن المنظور المحافظ، لا تكفي الشعارات الجذابة ولا النوايا الحسنة للحكم على السياسات؛ فالمعيار الحقيقي هو النتائج. فالحرية لا تعني غياب المسؤولية، والانفتاح لا يعني التخلي عن الضوابط، والمحافظة لا تعني رفض التطور. بل إن الدولة القوية هي التي تحمي الحقوق، وتفرض القانون، وتحافظ على استقرار المجتمع وهويته الوطنية.

وتواجه فرنسا ودول أوروبية أخرى نقاشًا متصاعدًا حول فاعلية سياسات الهجرة والاندماج والأمن العام. ووفق بيانات يوروستات، بلغ عدد المقيمين في الاتحاد الأوروبي المولودين خارج حدوده 46.7 مليون شخص مطلع عام 2025، أي 10.4% من إجمالي السكان البالغ عددهم 450.6 مليون نسمة، فيما بلغ عدد المولودين خارج الاتحاد الأوروبي في فرنسا نحو 9.6 مليون شخص. وفي عام 2024، وصل نحو 4.2 مليون مهاجر من خارج الاتحاد الأوروبي إلى دوله، إضافة إلى 1.5 مليون شخص انتقلوا بين الدول الأعضاء. أما في فرنسا، فقد سُجّل عام 2025 نحو 473 ألف ضحية للعنف الجسدي، بزيادة 5%، ونحو 132,300 ضحية للعنف الجنسي، بزيادة 8% مقارنة بالعام السابق. هذه الأرقام تستدعي مساءلة السياسات العامة، لكنها لا تثبت بمفردها أن الهجرة سبب ارتفاع الجريمة, فالتقييم الجاد يتطلب دراسة العوامل الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، بدلًا من الاكتفاء بالاستنتاجات السياسية.

ومع ذلك، يطرح المنظور المحافظ أسئلة مشروعة: هل تتناسب سياسات الهجرة مع قدرة الدولة على الاستيعاب؟ هل يُطبّق القانون بفاعلية؟ وهل تُناقش المخاوف الأمنية والاجتماعية بجدية دون أن تتحول كل مطالبة بضبط الهجرة إلى اتهام بالتطرف؟ فالدولة لها الحق في تنظيم الهجرة وحماية حدودها وفرض احترام قوانينها، وضمان أن يقترن الاندماج بحقوق وواجبات واضحة. والتعددية لا تعني غياب القواعد المشتركة، كما أن حماية حقوق المهاجرين لا تتعارض مع حماية أمن المواطنين. ولا يكمن الحل في تحميل المهاجرين مسؤولية المشكلات بصورة جماعية، بل في تطبيق القانون على الأفراد دون تمييز، ومحاسبة المقصرين، ومراجعة السياسات التي لا تحقق أهدافها.

وفي الولايات المتحدة، يمثل أمن الحدود أحد أبرز محاور الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين. وخلال إدارة جو بايدن، تجاوز عدد المواجهات المسجلة مع مهاجرين على الحدود الجنوبية الغربية 2.37 مليون مواجهة في السنة المالية 2022، وبلغ نحو 2.47 مليون في عام 2023. وقد اعتبر الجمهوريون هذه الأرقام دليلًا على قصور إدارة الحدود، وطالبوا بإجراءات أكثر حزمًا لضبط الهجرة غير النظامية. ومن المنظور المحافظ، فإن حماية الحدود مسؤولية سيادية لا يجوز إخضاعها للاعتبارات الحزبية أو الأيديولوجية. ويقوم هذا الموقف على مبادئ واضحة: حدود تخضع للرقابة، وقوانين تُطبّق بعدالة، وإجراءات فعالة للنظر في طلبات اللجوء، ومسارات قانونية واضحة للهجرة. فاحترام الاعتبارات الإنسانية لا يعني التخلي عن سيادة القانون، كما أن تطبيق القانون لا يبرر انتهاك الحقوق. وينبغي تقييم أداء الحكومات بناءً على النتائج لا الانتماء الحزبي, فإذا أخفقت إدارة في ضبط الحدود أو تطبيق القانون، فمن حق المواطنين المطالبة بتغيير سياستها، أيًا كان الحزب الذي تمثله.

وتقوم الرؤية المحافظة على أهمية النظام العام، والمسؤولية الفردية، واستقرار المؤسسات، والأسرة، والهوية الوطنية، واحترام التقاليد التي أسهمت في تشكيل المجتمع. وهي تنظر إلى التغيير باعتباره ضرورة أحيانًا، لكنه يحتاج إلى دراسة وتدرج ومحاسبة على نتائجه. غير أن المحافظة لا تعني الدفاع عن الوضع القائم مهما كانت عيوبه، كما أن الاستقرار لا يبرر الفساد أو الظلم. فالتمسك بالمبادئ لا يعفي أي حكومة أو حزب من المساءلة، ولا يمنح أي رئيس حصانة من النقد. وتكمن المشكلة عندما تتحول السياسة إلى ولاء أعمى، فيبرر المؤيدون أخطاء جماعتهم ويرفضون الاعتراف بإخفاقاتها. فالوطنية ليست تأييد كل قرار حكومي، بل المطالبة بما يحمي المصلحة العامة ويصون القانون والمؤسسات.

ولا ينبغي وضع الحرية في مواجهة الأمن، أو التطور في مواجهة الاستقرار، وكأن الجمع بينها مستحيل. فالدولة القوية هي التي تحمي حقوق مواطنيها، وتطبق القانون على الجميع، وتنظم الهجرة، وتحافظ على مؤسساتها، وتتيح الإصلاح دون تعريض المجتمع لاضطرابات يمكن تجنبها. إن الأمن، وسيادة القانون، والمسؤولية الفردية، وحماية الهوية الوطنية، واستقرار المؤسسات ليست تفاصيل ثانوية، بل ركائز أساسية لقيام دولة مستقرة وقادرة على الاستمرار. وفي الوقت نفسه، يجب أن تخضع السياسات المحافظة نفسها للاختبار والمراجعة والمحاسبة. فلا الليبرالية تنجح بمجرد رفع شعار الحرية، ولا المحافظة تنجح بمجرد رفع شعار النظام؛ فالنجاح يتطلب قوانين عادلة، ومؤسسات فعالة، وقيادات تتحمل مسؤولية قراراتها.

ايليا غنطوس -"اخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا