ما هي الدلالات الاستراتيجية للمبادرة المصرية و هل ساعدت مصر دولاً أخرى عسكرياً؟
تنتقل القاهرة من إعلان التضامن مع السعودية إلى إعداد الغطاء السياسي والدستوري لاحتمال التدخل العسكري دفاعاً عنها. هذه هي الدلالة الأساسية لطلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تفويضاً برلمانياً للتحرك إذا طلبت الرياض ذلك. لكن بين الاستعداد لاستخدام القوة وبدء استخدامها مسافة تحدّدها طبيعة الطلب السعودي، وصيغة الموافقة المصرية، والهدف العسكري، وحدود العملية.للمبادرة المصرية 3 دلالات استراتيجية: أولاً، رفع كلفة الاعتداء على السعودية، فالمهاجم يصبح مضطراً إلى احتساب احتمال مواجهة مساهمة عسكرية مصرية، إلى جانب القدرات السعودية. وقد يتحقق جانب من هذا التأثير الردعي قبل تحريك القوات، إذا اعتُبر التعهد جدياً وقابلاً للتنفيذ. ثانياً، طمأنة الرياض إلى أن العلاقة مع القاهرة تستطيع إنتاج مساعدة دفاعية عملية. فاختبار التحالفات لا يكون فقط في البيانات المشتركة، بل في استعداد الحليف لتحمل مخاطر حماية شريكه. وثالثاً، محاولة التأثير في مسار التصعيد. فإظهار الاستعداد العسكري قد يُستخدم لدفع الخصم إلى وقف الهجمات أو قبول تسوية؛ لكنه قد يفتح أيضاً باب التصعيد إذا قرأه الخصم مقدمة للمشاركة المباشرة في الحرب.
مع ذلك، تبقى عبارة "إذا طلبت السعودية" مركزية: فهي تجعل التعهد مشروطاً، وتترك للرياض تحديد حاجتها، وللقاهرة ترجمتها إلى مهمة يمكن تنفيذها.
ماذا يجيز البرلمان المصري وما الذي لا يحسمه؟
تنص المادة 152 من الدستور المصري على أن إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود يتطلب أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. لذلك، للجوء إلى البرلمان وظيفة دستورية فعلية، تتجاوز إظهار التأييد السياسي للرئيس.
لكن الموافقة، إذا صدرت، لا تكشف وحدها شكل العملية. فهناك فرق بين تفويض محدد بحماية الأراضي السعودية، وآخر يشمل عمليات خارجها؛ وبين انتشار دفاعي محدود المدة، والتزام مفتوح لا يحدد معيار انتهاء المهمة. ولهذا، سيكون نص القرار أهم من العناوين التي تصفه.
عربياً، توفر معاهدة الدفاع المشترك لعام 1950 إطاراً للمساندة؛ إذ تعتبر الاعتداء المسلح على إحدى الدول المتعاقدة اعتداءً عليها جميعاً، وتلزمها بالمساعدة، بما فيها استخدام القوة. غير أن وجود المعاهدة لا يغني عملياً عن الاتفاق على القوات والقيادة والتمويل والمهمة. أما دولياً، فتقر المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الحق في الدفاع الفردي والجماعي عند وقوع هجوم مسلح، مع إبلاغ مجلس الأمن بالتدابير المتخذة. ويجب التمييز بين نشر قوات بموافقة السعودية داخل أراضيها، واستخدام القوة داخل دولة أخرى؛ فالأخير يحتاج إلى تبرير قانوني مستقل بحسب الوقائع، ولا يصبح مشروعاً تلقائياً بمجرد صدور تفويض داخلي مصري.
5 سيناريوات محتملة
يمكن ترتيب الخيارات من الأقل انخراطاً إلى الأعلى، من دون افتراض أن القاهرة ستتدرج فيها جميعاً:
التمييز الأهم هنا ليس بين إرسال قوات وعدم إرسالها فحسب، بل بين قوات برية تحمي مواقع داخل السعودية، وقوات تعبر إلى اليمن لتخوض حرباً هناك. فالتوصيفان مختلفان جذرياً في الأهداف والمخاطر. كذلك، لا يعني تعدد الطائرات أو السفن توافر قدرة فورية على تشغيلها ضمن منظومة مشتركة. فالفاعلية تعتمد على تبادل المعلومات، وتوافق الاتصالات، والإمداد والصيانة، وتحديد المسؤول عن قرار الاشتباك. وقد تكون مساهمة متخصصة محدودة أنفع من انتشار كبير لا تتضح مهمته.
هل ساعدت مصر دولاً أخرى عسكرياً؟
أقرب السوابق إلى السؤال الحالي تشمل حماية دولة مهددة، والمشاركة في تحرير دولة محتلة، ودعم طرف في حرب أهلية، والمساهمة في تحالف إقليمي:
الكويت في 1961: بعد استقلال الكويت وظهور المطالب العراقية بضمها، شاركت الجمهورية العربية المتحدة، التي كانت مصر مكوّنها الأساسي، في القوة العربية التي حلت محل القوات البريطانية هناك. وتوثّق السجلات الديبلوماسية الأميركية وجود هذه المشاركة ثم انسحابها. كانت المهمة حماية استقلال الكويت ومنع الاعتداء، ولم تتحول إلى حرب مصرية واسعة ضد العراق. وتوضح هذه السابقة أن المساعدة العسكرية يمكن أن تنجح بوصفها انتشاراً رادعاً داخل الدولة المهددة، من دون أن تتطلب غزو أراضي الخصم.
اليمن (1962 – 1967): دعمت مصر النظام الجمهوري الذي نشأ بعد إسقاط الملكية في شمال اليمن، بالمال والسلاح والقوات البرية، بينما دعمت السعودية المعسكر الملكي. واستمر الوجود العسكري المصري حتى عام 1967. الدرس الاستراتيجي هو خطورة تحوّل مساعدة محدودة إلى التزام يتسع كلما تعذر الحسم. ففي الحروب الداخلية، قد ينجح الجيش في معركة من دون أن يستطيع إنتاج تسوية سياسية أو سلطة مستقرة. ولا يعني استحضار هذه التجربة أن أي تحرك مصري اليوم سيكررها؛ فحماية منشآت سعودية تختلف عن الانتشار داخل اليمن، لكنها تجعل تحديد المهمة وطريق الخروج منها شرطين أساسيين.
السعودية والكويت (1990–1991): بعد الغزو العراقي للكويت في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، أرسلت مصر قوات إلى السعودية ضمن التحالف الدولي، وشاركت في حرب حرير الكويت. وتقدّر الهيئة العامة للاستعلامات المصرية حجم المساهمة بنحو 35 ألف جندي. كانت مشاركة قتالية فعلية، وليست مجرد مساندة سياسية أو إمدادات. وهذه أقوى سابقة للقول إن استعداد مصر للدفاع عن دولة خليجية قابل للتحول إلى عمل عسكري واسع. لكن القياس عليها محدود، فتحرير الكويت كان هدفاً جغرافياً واضحاً في مواجهة جيش نظامي يحتل دولة. أما مواجهة هجمات الصواريخ والمسيّرات الصادرة عن حوثيي اليمن، فلا تنتهي بالضرورة بتحرير مساحة محددة، وقد تستمر رغم التفوق العسكري، إلا في حال القرار بالحسم الشامل.
التحالف في اليمن (منذ 2015): انضمت مصر إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وكان إرسال قوات بحرية من مظاهر مشاركتها المعلنة. وفي كانون الثاني/يناير 2017، أعلن مجلس الدفاع الوطني تمديد مشاركة العناصر اللازمة من القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود، مرتبطة بالأمن المصري والعربي في الخليج والبحر الأحمر وباب المندب. تُظهر هذه السابقة أن المساهمة المصرية يمكن أن تُصاغ حول وظيفة محددة، خصوصاً في المجال البحري، من دون أن تعني التزاماً تلقائياً بحملة برية شاملة.
ليبيا (2020): في 20 تموز/يوليو 2020، وافق البرلمان المصري على إرسال قوات في مهام قتالية خارج الحدود، في سياق احتمال التدخل في ليبيا. وهذه سابقة مهمة لفهم الإجراء الحالي: يمكن التفويض أن يمنح القيادة خياراً عسكرياً ويعزز مفهوم الردع من دون أن يحدد بذاته توقيت استخدام القوة أو حجمها.
غاندي المهتار - "النهار"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|