العفو العامّ بعد قرار "الدستوريّ".. من يخرج من السجن ومن يُحرم منه؟
فور إصدار المجلس الدستوريّ قراره بالطعن المقدّم أمامه بقانون العفو العامّ، دخل الأخير مرحلة التنفيذ في ضوء معطيات أساسيّة: توسيع “الدستوريّ” نطاق الاستثناءات الواردة في القانون، و”التحفّظات التفسيريّة” التي قرّرها المجلس و”المُلزمة لجميع السلطات العامّة والمراجع القضائيّة والإداريّة، بما يضمن وحدة التطبيق ويحول دون اجتهادات متناقضة”، كما جاء في قراره… والأصوات المعترضة على ما اعتُبر “تمادياً من جانب المجلس الدستوريّ في تجاوز صلاحيّاته“.
قبل صدور قرار “الدستوريّ” وضمن إطار التحضير للإجراءات القانونيّة والقضائيّة لتطبيق قانون العفو، عُقدت اجتماعات قضائيّة-أمنيّة في غرفة العمليّات المركزيّة المشتركة في قيادة الدرك، كما عُقدت اجتماعات قضائيّة على مستوى مجلس القضاء الأعلى والنيابات العامّة لتحديد الآليّة العملانيّة لتطبيق القانون، وإصدار التعاميم اللازمة، تفادياً لتناقضات في تطبيق النصّ من جانب النيابات العامّة وقضاة التحقيق وقضاة الحكم. كان يُظلّل هذه الاجتماعات موقف مدّعي عامّ التمييز أحمد رامي الحاجّ العلنيّ بأنّ “بعض بنود هذا القانون مشفّرة وتحتاج إلى منجّم غربيّ لفكّ طلاسمها”.
تولّى المجلس الدستوريّ فكّ جزءٍ من هذه “الطلاسم”، لكن بقيت الأسئلة قائمة حول: من يستفيد ومن لا يستفيد منه؟ وهل المجلس الدستوريّ تجاوز حدوده في تفسير نصوص القانون؟
حبيش: “الدّستوريّ” تجاوز صلاحيّاته
يقول النائب السابق هادي حبيش، أحد المشاركين الأساسيّين في إعداد اقتراح قانون العفو العامّ، لـ”أساس ميديا” إنّ “ركون المجلس الدستوريّ إلى “التحفّظات التفسيريّة” أدّى إلى إجراء تعديلات جوهريّة على بعض نصوص القانون، فيما صلاحيّته الأساسيّة تقف عند حدود الإبطال الجزئيّ أو الكلّيّ”.
يضيف حبيش: “تفسير القوانين يعود إلى مجلس النوّاب بحكم اتّفاق الطائف، وبالتالي لا صلاحيّة للمجلس الدستوريّ في تعديل النصوص القانونيّة، أو إلغاء أحكام، أو جرائم يشملها القانون”.
كما يرى أنّ “قرار “الدستوريّ” غير مسبوق، لناحية التمادي في التفسير تحت عنوان “التحفّظات التفسيريّة”، مؤكّداً أنّ “هناك أموراً منطقيّة تطرّق إليها قرار “الدستوريّ”، وفسّرها، كالتكرار في جرائم المخدّرات، لكن إذا مجلس النواب شمل مثلاً الرشوة بالعفو، فلا يحقّ للمجلس الدستوريّ أن يصدر قراراً معاكساً، بحجّة أنّ النصّ يتناقض مع المعايير والاتّفاقيّات الدوليّة الأسمى من القوانين. وإذا سلّمنا بهذا الرأي القانونيّ، لا يحقّ للمجلس الدستوريّ تفسير المادّة بغير مقصدها، ويمكن له فقط إبطالها”.
يؤكّد حبيش في هذا السياق أنّ “قرار المجلس الدستوريّ مُلزِم لكلّ السلطات العامّة، وليس لمجلس النوّاب، فالأخير لديه صلاحيّة إصدار قانون جديد، يُخالف رأي المجلس الدستوريّ. وإذا طُعِن مجدّداً بالقانون وقبل “الدستوريّ” الطعن يطير القانون. وإذا لم يُقدّم طعن يكون هناك قانون جديد يُخالف رأي المجلس الدستوريّ”.
الكرة في ملعب القضاء
فعليّاً، الكرة اليوم في ملعب القضاء لناحية رصد آليّة التطبيق. أوساطٌ مطّلعة ترى أنّ تفسير القانون قد يختلف بين قاضٍ وآخر، إلّا إذا صدرت تعاميم واضحة عن مجلس القضاء الأعلى، فيما المعلومات تفيد بأن مدّعي عامّ التمييز اعترف بأنّ “القانون بعد صدور قرار المجلس الدستوريّ بات أمام إشكاليّة جدّيّة”.
مع ذلك، في الأوساط القضائيّة من يجزم أنّ “قرار “الدستوريّ” الأخير نوعيّ وجريء، إذ فسّر البنود المبهمة، وأسّس لمسارٍ مفصليّ في تصويب أعلى سلطة دستوريّة لـ”بوصلة” التشريع حين يحتمل النصّ أكثر من تفسير، فـ”يُستبعد التفسير المخالف للدستور ويُعتمد التفسير الذي يجعله متوافقاً معه”.
بدء التّنفيذ
تتوقّع مصادر مطّلعة بدء تطبيق القانون خلال أسبوعين، بعد إتمام الإجراءات القانونيّة، عبر الإفراج عن عشرات الموقوفين تباعاً، فيما تتّجه الأنظار إلى الموقوفين الإسلاميّين الذين تجاوزت مدّة توقيفهم 12 عاماً، ومدى المواءمة أو التعارض مع المادّة الثانية من قانون العفو التي تحدّد الجرائم المستثناة كالإرهاب.
هل يُعفى عن رياض سلامة؟
وسّع المجلس الدستوريّ نطاق الاستثناء في جرائم الفساد الماليّ من خلال قراره “التحفّظيّ التفسيريّ” بـعدم “حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادّة الثانية من قانون العفو، بل اعتبارها تشمل جميعَ جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعيّة الإجراء والاتّفاقيّات الدوليّة الملتزم بها لبنان، في القطاعين العامّ والخاصّ، وجميع المتورّطين فيها، أيّاً كانت صفتهم. ولا يحول العفو دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضرّرة، ولا دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتّية من جرائم الفساد”.
قال “الدستوريّ” في قراره إنّ “جرائم الفساد، بطبيعتها، جرائم تبادليّة لا تقع من الموظّف العموميّ وحده، بل يشترك فيها حكماً الراشي والوسيط والمستفيد والشريك والمتدخّل والمحرّض والمخبّئ، وقد يرتكبها أشخاص من القطاع الخاصّ”.
أكّد أنّ “المادّة الأولى نفسها من القانون المطعون فيه جعلت نطاق العفو يشمل “جميع من ساهموا في ارتكابها، سواء بصفتهم فاعلين أم شركاء أم متدخّلين أم محرّضين أم مخبّئين”، وفقاً للتعريفات الواردة في قانون العقوبات. فيقتضي، من باب التلازم والمساواة، أن يكون الاستثناء بالاتّساع إيّاه، أي أن يشمل جميع المساهمين في جرائم الفساد المستثناة، أيّاً كانت مكانتهم وصفتهم ودورهم، لا الموظّفين العموميّين وحدهم. وإلّا استفاد الراشي من العفو وبقي المرتشي ملاحقاً عن الفعل إيّاه، وهي نتيجة تخلّ بمبدأ المساواة وتجافي المنطق القانونيّ”.
في حالة رياض سلامة تختلف القراءات القانونيّة، لكنّ أغلبيّتها تتقاطع عند المعطى الآتي: حاكم مصرف لبنان السابق غير مشمول بالعفو قبل قرار “الدستوريّ”، وبعده. لكن بالطبع أتى قرار “الدستوريّ” ليوضح الصورة أكثر. ففي الملفّات الملاحق بها رياض سلامة، كان يمكن لتفسيرات قانونيّة معيّنة أن تجعل سلامة مستفيداً من نصّ القانون قبل الطعن به، إذا لم تُثبت التحقيقات أنّ الأموال ليست أموالاً عامّة بل خاصّة، فلا تنطبق عليه استثناءاته. لكن راهناً، وبعد توسيع نطاق الاستثناء نحو المال الخاصّ، بات سلامة محاصَراً من جميع الجهات.
كما أنّ قانون العفو كان واضحاً لجهة عدم شموله “الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف أيّاً كان مرتكبوها، لا سيما الجرائم المتعلّقة بأموال المودعين وبالجرائم المصرفيّة على أنواعها”.
متى يخرج الأسير من السّجن؟
من ضمن التفسيرات الملزمة التي أقرّها المجلس الدستوريّ حدّد عقوبة الإعدام (التي أُلغيت بقانون) بـ28 سنة سجنيّة، ولم تخضع للتخفيض إلى 17 سنة (عقوبة الأشغال الشاقّة)، ما يعني تأخير خروجه لسنوات.
حكم الإعدام الصادر عن المحكمة العسكريّة بحقّ الشيخ أحمد الأسير، جرى الطعن به أمام المحكمة التمييزيّة العسكريّة، وبالتالي لم يصبح الحكم مبرماً بعد. وفريق الدفاع عن الأسير يراهن على استبدال عقوبة الإعدام بحكم مُخفّف، “ما قد يسهّل عليه الاستفادة من العفو”.
ملاك عقيل - اساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|