سلام يتوعّد: هل سنكشف حقيقة الـ”سي 4″؟
المشكلة في قضية المتفجرات ليست أنّ مادة “سي 4” تستدعي ذاكرة الاغتيالات فحسب. المشكلة أنّ السلاح في لبنان بات محكوماً بتعريفين متناقضين: الدولة تقول إنّ حيازته ونقله واستخدامه يجب أن تخضع لسلطتها، فيما يقول “الحزب” إنّ ما يملكه من أدوات يبقى مبرراً ما دام يستخدمه في مواجهة إسرائيل.
بين هذين التعريفين، لا يعود تحذير رئيس الحكومة نواف سلام بقوله “لن نتهاون” مجرد وعد بالمحاسبة، بل يصبح سؤالاً عن قدرة الدولة نفسها: هل تستطيع أن تمنع فعلاً نقل السلاح خارج مؤسساتها، حين يعلن “الحزب”، على لسان النائب إبراهيم الموسوي، أن الشحنة إذا ثبتت عائديتها إليه فهي مبررة لأنها تُستخدم في عمليات مقاومة إسرائيل؟ هنا لا يقدّم الموسوي رواية عن وجهة الشحنة بقدر ما يعلن المعيار الذي يجيز به “الحزب” حيازتها واستخدامها.
حين يختلف تعريف “المسموح“
لم يعد الانتماء الحزبي لناقلي الشاحنة وحده موضع الجدل. فقد نُقل عن مصدر قضائي أنّ هيثم أمهز وعلي الكردي أقرا بانتمائهما إلى “الحزب” وبأن مهمتهما اقتصرت على نقل المتفجرات من بعلبك إلى بيروت. لكنهما، وفق المصدر نفسه، لم يحددا الجهة التي كانت ستتسلّمها ولا الغرض من استخدامها. بذلك، تثبت صلة الناقلين بالحزب ومشاركتهما في النقل، فيما تبقى ملكية الشحنة ووجهتها النهائية والغرض منها مسائل تحتاج إلى استكمال التحقيق.
هذا الفارق هو صلب القضية. فالحزب يضع الشحنة إن ثبتت عائديتها إليه، في إطار مقاومة إسرائيل فيما يرى خصومه في نقلها باتجاه بيروت سبباً للخشية من استخدام داخلي. بل ذهب بعضهم إلى التحذير من عودة الاغتيالات السياسية بناء على ذاكرة جماعية ليست ببعيدة مزدحمة بالاغتيالات والتفجيرات المتنقلة.
إلا أنّ التبرير السياسي للحزب لا يثبت وجهة السلاح، كما أنّ اتهامات خصومه لا تثبت النية. وبالتالي، إنّ ما تكشفه المواقف هو أنّ اللبنانيين لا يتفقون ليس فقط على من يقرر امتلاك واستخدام السلاح، بل على الجهة التي تملك حق تعريف التهديد.
“سي 4″ يتنقل في بيروت
الهواجس التي أثارها سلام من ذكر “سي 4” مفهومة في بلد ارتبط اسم هذه المادة بعمليات اغتيال، كما أشار رئيس الحكومة. لكنّ خصائصها التقنية تفسّر أيضاً استخدامها العسكري: فهي متفجر بلاستيكي قابل للتشكيل، وأقل حساسية للحرارة والصدمات من مواد أخرى، ما يجعله مناسباً لأعمال الهدم. هذه الخصائص تشرح لماذا يُستخدم “سي 4″، لكنها لا تكشف الغرض الذي نُقلت من أجله هذه الشحنة.
بناء على تراكم التجربة اللبنانية، عاد الحديث سريعاً عن “الاغتيالات” في السجال السياسي الداخلي. فالخشية من عودة هذا النمط مفهومة في بلد لم تُكشف فيه كل حقائق موجات العنف السابقة، والتي شكلت في مراحل معينة من المراحل الانتقالية في البلاد، أساساً أمنياً لتحولات سياسية صبت في مصلحة الأقوى في ميزان من يملك السلاح.
وعد الحكومة وامتحان القدرة
بناء على هذه الإشكالية، حين يقول سلام إنّ حكومته لن تتهاون، فهو يلتزم بما يتجاوز ملاحقة ناقلين اثنين. التزم أن تصل التحقيقات إلى كل من كلّف ونقل وتسلّم، وأن تنتهي إلى مسار قضائي لا يتوقف عند حدود الحسابات السياسية. إلا أنّ الدولة لا تثبت قدرتها على المنع بالتصريحات وحدها. فهي تثبتها حين تفرض قواعد واحدة على الجميع، وتضبط مسارات السلاح، وتملك وحدها قرار استخدامه.
هنا يتصل الملف بما بعد الحرب وما تحمله من مخاوف انتقال التوتر الأمني من الحدود إلى الداخل، أن المواجهة الداخلية لا تحتاج بالضرورة إلى أن تبدأ بإطلاق النار. قد تبدأ من تعارض مستمر بين قرار الدولة وقرار قوى تحتفظ بأدواتها وتحدد بنفسها متى يكون استخدامها مشروعاً. شحنة ضهر البيدر لا تثبت أنّ اغتيالاً كان يُحضّر، ولا تكفي وحدها للقول إنّ لبنان يتجه إلى حرب داخلية. لكنها جعلت السؤال السياسي أكثر إلحاحاً:
إيران ولبنان: ورقة في التسوية؟
لبنان يقف على تخوم أكثر من مسار إقليمي: الحدود مع إسرائيل، والنفوذ الإيراني، وأي تسوية مقبلة قد تعيد رسم موازين المنطقة، فيما يعود ملف الحدود البحرية والغاز إلى الواجهة. عند هذا التقاطع، يصبح السؤال مشروعاً: هل ترى طهران في لبنان جبهة ضغط تبقيها حاضرة على حدود إسرائيل، أم ورقة سياسية تضمن لها موقعاً في أي تسوية إقليمية، وفي ترتيب الحكم اللبناني الذي قد يليها؟
تجربة ما بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005 تذكّر بأنّ خروج قوة إقليمية من لبنان لا يعني بالضرورة زوال نفوذها. فقد برز “الحزب” بعدها لاعباً أكثر مركزية في السياسة الداخلية. لا يعني ذلك أنّ التاريخ سيعيد نفسه، لكنه يطرح سؤالاً عن شكل الحضور الإيراني إذا دخلت المنطقة مرحلة تسويات جديدة: هل تسعى طهران إلى تثبيت دورها عبر نفوذ “الحزب” السياسي والعسكري، أم إلى إبقاء احتمال التصعيد على الحدود جزءاً من أوراق التفاوض؟
في الداخل، قد تتحول قضية المتفجرات إلى اختبار آخر للتوازن: فالحزب يربط مبرر السلاح بمواجهة إسرائيل، فيما يرى خصومه في الشحنة المتجهة إلى بيروت تهديداً لا يجوز تجاوزه. وإذا وقع حادث أمني جديد، فثمة خشية من أن يُقرأ فوراً على ضوء قضية ضهر البيدر، وأن تتحول الاتهامات إلى أداة ضغط سياسي أو إلى ذريعة للمطالبة بحسم ملف السلاح قبل أن يقول التحقيق كلمته.
لذلك لا تقتصر مسؤولية الدولة على معرفة وجهة الشحنة، عليها أيضاً أن تمنع تحويلها إلى حقيقة سياسية جاهزة، سواء لتبرير استمرار السلاح خارج سلطتها أو لاستباق التحقيق باتهام الحزب بالعودة إلى الاغتيالات بما قد يؤدي ذلك إلى احتقان سياسي وأهلي.
وعليه، إنّ عبارة “لن نتهاون” هي أكثر من وعد حكومي. هي امتحان لقدرة الدولة في منع استخدام لبنان ورقةً في صراع إقليمي، وفي حماية توازناته الداخلية وحقوقه البحرية.
جوزفين ديب -اساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|