أربعة خيارات عسكرية في اليمن لا جدوى من أيٍّ منها.. الدبلوماسية هي المخرج الوحيد
دعونا نضع جانباً الحقيقة البديهية القائلة بأن الانجرار إلى حرب سعودية في اليمن يمثل حماقة فادحة، ولنستعرض أربعة احتمالات عسكرية-عملياتية؛ عسى أن نُقدّم بذلك درساً لخبراء الاستراتيجية العسكرية (أشباه “سون تزو”) الذين يستعينون بالذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي.
الاحتمال الأول هو شن هجوم بري. فماذا يعني هذا الهجوم، وما متطلباته، وما الذي يمكن أن يحققه؟ إنه يعني نشر قوات برية ميدانية. هل الأمر سهل؟ قطعاً لا! فبدايةً، وبالنظر إلى طبيعة التضاريس، والمساحة الجغرافية الشاسعة، وقوة الخصم وقدراته، فإن شن هجوم بري تقليدي لإزاحة “الحوثيين” سيتطلب قوة قوامها ما بين 150 ألفاً و200 ألف جندي. ويُعد هذا التقدير حداً أدنى، وهو مستمد من الدليل الميداني للجيش الأمريكي، ومنشورات القتال الخاصة بمشاة البحرية الأمريكية، ومقال ليدل هارت الجوهري “نسبة القوات إلى المساحة”، ودراسة جيمس كوينليفان “متطلبات القوة في عمليات الاستقرار”.
في التضاريس الجبلية شديدة التعقيد، لا تكفي النسبة القياسية (3:1) بين المهاجم والمدافع؛ إذ تفرض المراجع المذكورة أعلاه نسبة مضاعفة للقوة تتراوح بين (6:1) و(9:1) لتنفيذ عمليات التطهير وتأمين خطوط مواصلات ممتدة وغير خطية في مواجهة تمرد متحصن.
تتألف جغرافية شمال اليمن من قمم بركانية وعرة ووديان عميقة تخدم العمليات الدفاعية وتتيح للمدافعين استنزاف القوة المهاجمة. ويستغل مقاتلو “أنصار الله” -الذين اكتسبوا خبراتهم على مر السنين من “حزب الله” والمدربين الإيرانيين- هذه التضاريس بفعالية، معتمدين على شبكات تحت الأرض وكهوف طبيعية لتحييد التفوق التكنولوجي للمهاجم. ولكن ماذا عن المدرعات والمشاة الآلية؟ أليست خياراً أكثر أماناً؟ حسناً، لنرَ ذلك!
يمكن نشر المدرعات والمشاة الآلية في مناطق فرعية محددة من شمال اليمن، لكن جدواها العملياتية تقتصر تماماً على جيوب معزولة ذات تضاريس مسطحة أو متموجة. وتسمح بعض المناطق -مثل الأراضي المسطحة المتقطعة في سهل تهامة الساحلي غرباً، وقيعان الوديان العريضة المحددة، والأطراف الصحراوية الشرقية المحاذية للسعودية (كأجزاء من محافظتي الجوف ومأرب)- بهذا النوع من الانتشار، إلا أن فعاليته تظل محدودة بسبب تفتت التضاريس، ووجود نقاط الاختناق، وظاهرة “الحصر في ممرات إجبارية” (وهي تكتيك عسكري أو حالة جغرافية تحصر الحركة في ممر ضيق يمكن التنبؤ به، مما يقلل من القدرة على المناورة).
اسأل أي ضابط في سلاح المدرعات أو المشاة الآلية، وسيخبرك بأن كابوسه الأكبر في ظل تضاريس متفتتة كهذه يتمثل في فرق قتال غير متكافئة -مجهزة بأسلحة مضادة للدبابات أو للمركبات القتالية للمشاة- تستغل المرتفعات وتوظف ظاهرة الحصر في ممرات إجبارية لصالحها. أما بالنسبة للمشاة، فيتعين عليهم الاشتباك مع المدافعين في عمليات قتال وتمشيط تجري على مرتفعات شاهقة ومن قمة جبلية إلى أخرى؛ وهي مهمة شاقة للغاية.
وهذه ليست سوى بداية المشاكل التي تواجه القوة المهاجمة؛ إذ تبرز عقبة أخرى تتمثل في الخدمات اللوجستية. بوسعي أن أؤكد للقارئ أن الدبابات وناقلات الجنود المدرعة ومركبات المشاة القتالية لا يمكنها العمل دون وقود وذخيرة وصيانة، كما يحتاج الجنود إلى المؤن والمياه والذخيرة. إن الحفاظ على قوة تضم عناصر آلية ودعمها في تضاريس مجزأة ومعادية يمثل كابوساً حقيقياً لـ “الذيل اللوجستي” الضخم المكون من شاحنات الوقود وناقلات الذخيرة ومركبات الإخلاء والإنقاذ. وما هي المسارات التي ستسلكها مركبات الإمداد هذه -غير المحصنة-؟ إنها المسارات الجبلية ذاتها التي تتسم بالهشاشة والتعرض للخطر. وماذا يعني ذلك؟ يعني أن المدافع -حتى وإن لم يشن هجوماً مباشراً على رتل مدرع- يمكنه عزل القوات المتقدمة عبر تدمير جسر واحد أو سد طريق ما عن طريق التسبب في انهيار أرضي.
هل انتهينا هنا؟ للأسف، لا. فساحة المعركة الحديثة الملعونة باتت تعج بطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة تعمل بتقنية “الرؤية من منظور الطيار” (FPV) وطائرات “كوادكوبتر” (رباعية المراوح) المتاحة تجارياً في الأسواق (ما عليك سوى زيارة شارع “نسبت” في لاهور لتدرك ذلك!). وهذا يعني أن بإمكان أي قارئ حصيف البحث عبر الإنترنت عما يجري في جبهة دونباس، وفي الحرب الروسية الأوكرانية بشكل عام؛ فقد أدى الانتشار الواسع للمراقبة عبر الطائرات المسيّرة إلى تعقيد حركة القوات المدرعة الكبيرة وحركة المشاة أيضاً. ونحن نعلم مسبقاً ما تمتلكه جماعة “أنصار الله” من قدرات في مجال الطائرات المسيّرة. كان هذا عرضاً موجزاً للخيار الأول من بين الخيارات الأربعة، ولكن قبل الانتقال إلى الخيارات الثلاثة التالية، دعوني أتوقف قليلاً للحديث عن سابقة تاريخية تعود إلى ما قبل عصر “العيون الراصدة من السماء”.
اليمن بمثابة “فيتنام” بالنسبة لمصر؛ فقد أرسلت مصر قواتها إلى اليمن عام 1962 لدعم الانقلاب العسكري الجمهوري ضد الإمامة الزيدية. وقد دعمت القاهرة الضباط واعتبرت تدخلها العسكري وسيلة لبسط النفوذ القومي العربي ومواجهة الهيمنة الإقليمية السعودية (علماً بأن الرياض كانت تدعم الإمام الزيدي في ذلك الوقت). في الفترة ما بين عامي 1962 و1967، واجهت القوة المصرية المُرسلة إلى اليمن تمرداً قائماً على حرب العصابات اللامركزية بقيادة القبائل الزيدية. وكما كان متوقعاً، استغلت هذه القبائل تضاريس المرتفعات الوعرة، وتجنبت المعارك النظامية المباشرة، واكتفت بمواجهة الجيش المصري عبر سلسلة من الغارات وعمليات الكمائن.
وكانت النتيجة أن تكبد الجيش المصري خسائر فادحة؛ ففي ذروة الصراع، كانت القاهرة قد حشدت 70 ألف جندي -أي ما يقرب من ثلث قوام جيشها- لكنها فشلت في بسط الاستقرار في المناطق الداخلية. ورغم تضارب الأرقام، تشير التقديرات المتوسطة إلى أن القوة فقدت نحو 15 ألف جندي جراء المعارك والأمراض والإخفاقات اللوجستية.
غير أن ثمة مشكلة أكبر كانت قائمة؛ إذ أدى التدخل إلى إضعاف الموقف الاستراتيجي العام لمصر. فقد تضافرت التكلفة المالية والضغط التشغيلي… أدى إلى استنزاف قدرات الجيش المصري وتشتيت قواه؛ فعندما شن الكيان الصهيوني هجوماً استباقياً في يونيو 1967، كانت قوات النخبة القتالية المصرية غارقة في وحل الحرب في اليمن. ولم يصدر “قرار الخرطوم” -الذي أنهى الحرب في شمال اليمن ضمن قضايا أخرى- إلا في الأول من سبتمبر 1967، أي بعد أن كان الضرر قد وقع بالفعل، سواء فيما يتعلق بوضع مصر في اليمن أو في مواجهتها مع الصهاينة. والآن، لنعد إلى الخيار العسكري الثاني.
لنفترض أن القائد العسكري الأعلى يتمتع بالذكاء الكافي لإدراك أن الخيار الأمثل هو تجنب الغزو البري والاعتماد بدلاً من ذلك على الضربات الجوية والصاروخية الدقيقة التي تُشن من مسافات بعيدة (دون احتكاك مباشر). ألن ينجح هذا الأمر؟ حسناً… ليس تماماً. لقد نفذ التحالف بقيادة السعودية (في الفترة من 2015 إلى 2018)، ومؤخراً الحملات الأمريكية والبريطانية، عمليات جوية واسعة النطاق لكنها حققت نتائج استراتيجية محدودة. ليس هذا هو المقام المناسب لمناقشة الأسباب التي أثبتت خطأ تفاؤل المنظر الإيطالي للحرب الجوية “جوليو دوهيت” بشأن القصف الجوي، ولكن إليك السبب باختصار:
تعتمد جماعة “أنصار الله” هيكلية قيادة لامركزية وتستخدم منصات إطلاق متنقلة يسهل إخفاؤها للطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية. ونظراً لأن أصولهم الرئيسية مخفية ومتموضعة داخل الجبال أو في مراكز حضرية مأهولة بالسكان، فإن القوة الجوية وحدها لا يمكنها تحقيق إضعاف حاسم لقدراتهم.
كما تتضح محدودية الضربات بعيدة المدى في سياق الصراع بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ فعلى الرغم من امتلاك شبكات استخبارات متطورة وتفوق جوي، لم تنجح هذه الضربات في تفكيك شبكات المقاومة الإقليمية بشكل دائم أو منع إطلاق رشقات منسقة من الطائرات المسيرة والصواريخ. يمكن للقوة الجوية أن تكون مفيدة، ولكن بحدود معينة؛ فهي لا تستطيع حسم الحرب بمفردها.
تباً! ماذا عن الجمع بين الدفاع السلبي والهجمات النشطة التي لا تتطلب احتكاكاً مباشراً (وهو خيارنا العسكري الثالث)؟ بالتأكيد، يمكن القيام بذلك. ولكن ثمة مشكلة؛ فالدفاع عن المناطق والنقاط الحساسة عبر دروع الدفاع الجوي وأنظمة الدفاع الموضعي والحدود المحصنة، بالتزامن مع شن هجمات نشطة عن بُعد (باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة الموجهة)، يؤدي عموماً إلى تحول الصراع إلى حالة من الجمود العسكري. يحد هذا النهج بالتأكيد من الخسائر البشرية للقوات الاستكشافية، لكنه يمنح الخصم زمام المبادرة الاستراتيجية. وفي حالتنا الراهنة، تتمتع جماعة “أنصار الله” ببراعة في تنفيذ عمليات التوغل عبر الحدود واستخدام ذخائر متسكعة (طائرات مسيّرة انتحارية) منخفضة التكلفة لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي باهظة الثمن.
ولتوضيح هذه النقطة، دعوني أطرح مثالاً أقرب إلينا؛ إذ تعكس هذه الديناميكية حالة الاحتكاك المستمر على الحدود الباكستانية الأفغانية. لم تنجح استراتيجية باكستان المتمثلة في بناء سياج حدودي (دفاع سلبي) مقترن بضربات مدفعية أو عمليات استخباراتية موجهة عبر الحدود ضد معاقل حركة “طالبان باكستان” (TTP) في وقف التحركات غير المتكافئة عبر الحدود؛ بل تحول الأمر إلى صراع مستمر ومنخفض الحدة. وبالنسبة لأي قوة تتدخل في اليمن، يؤدي هذا النهج إلى استنزاف غير مستدام للموارد دون تحقيق أي اختراقات ميدانية أو إجبار “جماعةالحوثي” على تغيير سلوكها.
آه… إن الخيار البري محفوف بالمخاطر، بينما يدفعنا الخياران الآخران إلى طريق مسدود. ربما يجدر بنا التوجه نحو البحر؟ ربما! فلنناقش إذن فكرة الحصار البحري. هل الأمر في غاية السهولة؟ ممم… لا.
يتطلب فرض حصار بحري التزاماً بحرياً كبيراً؛ إذ ستحتاج القوة المكلفة بذلك إلى فرقاطات ومدمرات، وربما غواصة أو اثنتين، بالإضافة إلى أصول للمراقبة البحرية لتغطية البحر الأحمر وخليج عدن. إنها عملية مكلفة للغاية وتستنزف الموارد. علاوة على ذلك، طوّر عناصر “أنصار الله” ونشروا قدرات فعالة للدفاع الساحلي؛ فهم يستخدمون صواريخ كروز مضادة للسفن، وعبوات ناسفة بحرية بدائية الصنع، وذخائر متسكعة. وتشكل هذه القدرات -سواء استُخدمت منفردة أو مجتمعة- تهديداً مباشراً للسفن البحرية.
مثال توضيحي: في 28 أبريل 2025، سقطت طائرة أمريكية من طراز “إف/إيه-18 إي سوبر هورنت” (F/A-18E Super Hornet) في مياه البحر الأحمر بعد أن قامت حاملة الطائرات “يو إس إس هاري ترومان” بمناورة انعطاف مفاجئة وحادة لتفادي نيران الطائرات المسيّرة والصواريخ التي أطلقتها “أنصار الله”.
مثال توضيحي ثانٍ: تجلى بوضوح مدى تعرض الأساطيل البحرية الحديثة لخطر الدفاعات الساحلية غير المتكافئة في أحداث البحر الأسود. لقد استخدمت أوكرانيا -التي لا تمتلك قوة بحرية كبيرة- طائرات مسيرة بحرية وصواريخ تُطلق من الشاطئ نحو السفن لإغراق أو إجبار وحدات من أسطول البحر الأسود الروسي على الانسحاب.
مثال آخر: لقد نجحت إيران فعلياً في عرقلة الملاحة في مضيق هرمز في وجه أقوى بحرية في العالم، تلك التي تمتلك أضخم قوة جوية.
وعلاوة على ذلك، وكما أثبتت العمليات البحرية الأمريكية والبريطانية في البحر الأحمر، فإن الحصار لا يمكنه منع عمليات التهريب المحدودة أو تجميع الأسلحة محلياً. فبدون السيطرة على الأرض والاحتفاظ بها، تظل عمليات الاعتراض البحري مجرد إجراء احتواء لا ينجح في تغيير موازين القوى الجوهرية.
هذا فيما يتعلق بالخيارات العسكرية الأربعة. أما إذا كان لدى أي “سون تزو” -وهي شخصيات يزخر بها عصرنا هذا- خيارٌ آخر أو خيارات أخرى، فسأكون سعيداً جداً بمعرفتها.
وفي الختام، وقبل أن أنهي حديثي، دعونا نتطرق إلى ذلك الرجل، البروسي كارل فون كلاوزفيتس؛ فقد كان يصر على ضرورة أن يكون للحرب هدف سياسي-استراتيجي. لم يكن الوحيد في ذلك، لكنه… أكثر وضوحاً. وعلى أية حال، يتفق خبراء آخرون معه في الرأي. وهنا يبرز السؤال البديهي: ما هو الهدف السياسي الاستراتيجي للرياض في اليمن؟ إذا كان الهدف هو احتلال شمال اليمن، فهذا أمرٌ لن يتحقق. أما إذا كان الهدف الاستراتيجي هو تأمين حدود المملكة العربية السعودية وبنيتها التحتية، فإن التصعيد العسكري لن يؤدي إلا إلى استدراج ردود فعل انتقامية (وهو ما حدث بالفعل).
لم يتبقَ أمامنا سوى الدبلوماسية. فمهما كانت زاوية النظر إلى الأمر، فإن المخرج الوحيد للرياض يكمن في الحوار وكبح جماح الحكومة التي تدعمها في اليمن. وبدلاً من الانجرار إلى حرب سعودية غير مدروسة العواقب، ينبغي لباكستان أن تساهم في حل القضية دبلوماسياً؛ فهي تحظى بدعم الصين، وتجري اتصالات منتظمة مع إيران، وترتبط باتفاقية مع الرياض. وهذا يوفر الشرط الضروري ويمهد الطريق لتحقيق الشرط الكافي للحل. إنه الخيار العقلاني الوحيد؛ فالبدائل الأخرى لا تقدم مساراً واضحاً وتنطوي على مخاطر الوقوع في شرك صراع معقد.أربعة خيارات عسكرية في اليمن — لا جدوى من أي منها؛ والديبلوماسية قد تكون هي الحل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|