مئتا مليون دولار لنازحي حزب الله: رواية "رويترز" ونفي واشنطن
لم يمضِ وقت طويل على تعهّد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم تقديم مساعدات مالية للنازحين من الجنوب بسبب حرب إسناد إيران، حتى خرجت إلى العلن رواية مصدرين مجهولي الهويّة تحدثا إلى وكالة "رويترز"، عن تسلّم الحزب مبلغ مئتي مليون دولار من إيران عبر مسالك مالية متشعّبة لم ترصدها وزارة الخزانة الأميركية ولا وزارة الخارجية، بدليل نفي الأخيرة هذا الأمر ووضعه في خانة محاولة حزب الله "حفظ ماء الوجه" و"نشر أخبار كاذبة" لتأكيد صمود الحزب والدعم الإيراني.
نحن إذاً، أمام روايتين متناقضتين الأولى نسبتها وكالة "رويترز" "لمصدرين لديهما معرفة مباشرة بالتحويل أكدت أن حزب الله تلقى 200 مليون دولار من إيران الشهر الماضي لمساعدة لبنانيين نزحوا بسبب الحرب مع إسرائيل، في أول دعم مالي كبير من هذا النوع". ما كُشف، بحسب المصدرين، أن الأموال وصلت رغم تشديد العقوبات الأميركية على إيران، وتقاضى الوسطاء عمولة 20%، أي أربعة أضعاف المعتاد وفق أحدهما. وسيدفع الحزب مبلغاً أولياً قدره 3000 دولار لكل عائلة، وتُعطى الأولوية للعائلات التي دُمرت قراها أو تعذّر وصولها إليها بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وعددها نحو 50 ألفاً. وأشار التقرير إلى أن مسؤولاً في الحزب أكد تأمين مبلغ، لكنه لم يوضح مصدر الأموال. وكان النازحون من بيئة الحزب قد تلقوا حتى الآن القليل من المساعدات أو لم يتلقوا شيئاً. وبعملية حسابية بسيطة، يعادل المبلغ الذي سيعطى للعائلات 150 مليون دولار، أي أقل من المبلغ المعلن عنه.
الولايات المتحدة التي تعمل على خنق حزب الله مالياً وقطع شرايين إمداده بالمال الإيراني عبر العقوبات التي تطال كل من تشتبه وزارة خزانتها أنه ينقل الأموال للحزب، سارعت إلى نفي الخبر عبر المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت الذي قال "إن الأموال غير موجودة"، متهماً الحزب بمحاولة حفظ ماء الوجه بقصص كاذبة عن تدفقات نقدية من إيران، ومضيفاً أن صادرات النفط الإيرانية محاصرة وأن العملة تنهار". وأكدت الوزارة "أن الحزب لن يتعافى في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب وأن العقوبات على موارده ستستمر، بالتوازي مع دعم الحكومة اللبنانية في إعادة إعمار الجنوب".
نفي الواقعة الحديثة يتعارض مع معطيات سابقة لوزارة الخزانة الأميركية، قالت فيها "إن إيران حولت مليار دولار إلى الحزب في الأشهر العشرة الأولى من العام 2025، وأشارت في تقييمها لمخاطر تمويل الإرهاب لعام 2026 إلى اعتماد الحزب على شركات واجهة وشبكات صرافة وتهريب نقدي من إيران". إلّا أن ذلك لا يثبت التحويل المحدد الذي ذكرته "رويترز".
إن كان التحويل قد حصل فهو يأتي بعد التململ الكبير في صفوف بيئة حزب الله، الآخذ بالتمدد والخروج إلى العلن بعد فقدان الأبناء وخسارة الأرزاق، وهو ما يدركه تماماً الشيخ نعيم قاسم، فتعهّد الشهر الماضي بأن يسهم الحزب قريباً في مشروع لإسكان آلاف النازحين بالموارد المتاحة والتبرعات، دون تسمية مصدرها. وهذا التعهّد يستحضر سابقة 2006، حين قدم الحزب مساعدات نقدية سريعة وشارك عبر شركة "جهاد البناء" في إعادة إعمار الضاحية الجنوبية. واليوم تبدو الحاجة أكبر، إذ عاد 646 ألفاً و107 أشخاص من أصل أكثر من مليون نزحوا خلال الحرب، وغالبية الذين حصلوا على منازل جاهزة يتململون ويخرجون إلى الإعلام للتعبير عن ألمهم وشعورهم بأنهم متروكون لمصيرهم مع ذكر منازلهم وجنى أعمارهم الذي إنهار أمام أعينهم.
ولكن هل الرواية التي أوردتها "رويترز" حقيقة؟
هناك الكثير من التفاصيل المهمة التي لم تُكشف ومنها: هوية المصدرين، مسار التحويل وتاريخه الدقيق، ما إذا كانت العمولة محسومة من المبلغ، وعلاقة المبلغ بمشروع الإسكان. هذا بالإضافة إلى أن أي تعليق لم يصدر عن إيران ولا عن الحكومة اللبنانية فور نشر التقرير.
أما كيف يمكن أن تصل الأموال من إيران إلى حزب الله من دون أن تقع في المصيدة الأميركية؟ هناك مسارات مالية عديدة لا يمكن الجزم باعتماد أي منها، ولكن سنعرضها باقتضاب:
1-شبكة الحوالة: تحويل الأموال عبر وسطاء يعتمدون على الثقة، من دون تحويلات مصرفية مباشرة، مع تسوية الحسابات عبر التجارة الإقليمية.
2-التهريب المادي للنقد: نقل مبالغ نقدية كبيرة عبر الحدود، مستفيدين من قنوات نقل أو امتيازات دبلوماسية، مع إخفائها لتجاوز الرقابة المالية والجمركية.
3-غسل الأموال عبر التجارة والعملات المشفرة: التلاعب بالفواتير التجارية والشركات الوسيطة، أو استخدام العملات المستقرة لنقل القيمة عبر الحدود وتحويلها إلى أموال نقدية.
في الخلاصة، ومهما تكن المسارات التي اعتُمدت لإيصال مئتي مليون دولار من طهران إلى الضاحية الجنوبية، نبقى أمام روايتين متناقضتين وما علينا سوى أن ننتظر ما إذا كانت العائلات ستتسلّم المبالغ المخصصة لها أم لا.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|