عربي ودولي

بيبي نتنياهو.. ثعلب إسرائيل الذي قد تنتهي حكايته خلف القضبان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

دخلتُ زنازين ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي عام 1988. وبعد أشهر قليلة، بدأ اسم بنيامين نتنياهو يتردد على مسامعي بكثرة، في الإعلام الإسرائيلي والصحافة العبرية المكتوبة. في تلك السنة، أصبح للمرة الأولى عضوًا في الكنيست، ومنذ ذلك الحين، ظل حاضرًا في الحياة السياسية الإسرائيلية، متنقلًا بين المواقع والمناصب، إلى أن أصبح زعيمًا لحزب الليكود ورئيسًا للحكومة.

كان نتنياهو في بداياته السياسية سفيرًا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة ثم في واشنطن، قبل أن يعود إلى إسرائيل ويدخل الكنيست، ويتولى لاحقًا منصب نائب وزير الخارجية، ثم وزارة المالية، وصولًا إلى وزارة الخارجية ورئاسة الحكومة.

لكن ما كان يلفتني في نتنياهو، منذ بدايات ظهوره، هو سرعة صعوده السياسي، وقدرته على المناورة، وامتلاكه حيوية سياسية لافتة، إلى جانب دهاء واضح في إدارة الصراعات داخل حزبه وخارجه.

من داخل الليكود إلى قيادة إسرائيل

ركزت الصحافة الإسرائيلية مبكرًا على شخصية نتنياهو بوصفه أحد أشد المعارضين لحكومات حزب العمل والتيار اليساري في إسرائيل. ولم يكن صعوده مجرد نتيجة لمسار انتخابي طبيعي، بل جاء أيضًا من خلال معركة داخلية طويلة خاضها في أروقة الليكود.

حمل نتنياهو لواء المعارضة داخل حزبه، وتمكن تدريجيًا من إزاحة عدد من خصومه الذين كانوا يمثلون ما عُرف بـ«الحرس القديم» في الليكود. وفي الوقت نفسه، كان أكثر شراسة في مواجهة حكومات اليسار برئاسة إسحق رابين وشمعون بيريز، وصولًا إلى مواجهة إيهود باراك، الذي لمع نجمه بعد اغتيال رابين، ولا سيما بعد قراره التاريخي بالانسحاب من جنوب لبنان.

لم يكن نتنياهو يواجه خصومه السياسيين على أساس البرامج فقط، بل كان يخوض معارك وجودية لإعادة رسم الخريطة السياسية الإسرائيلية، وإضعاف كل قوة يمكن أن تشكل عائقًا أمام مشروعه في الوصول إلى قيادة الدولة.

أوسلو.. المعركة التي صنعت صعود نتنياهو

أتذكر، وأنا في المعتقل، كيف كنا نجلس نحن الأسرى ونتحاور ونتناقش في القضايا السياسية ومستجداتها، وخصوصًا حول اتفاق أوسلو الذي جرى بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. كان النقاش ينقسم بين مؤيد ومعارض ومتحفظ وصامت.

كنت يومها، وبوضوح، معارضًا لاتفاق أوسلو، وإن كنت متحفظًا على بعض المواقف المعارضة له، خصوصًا تلك التي كانت تنطلق من خلفيات سياسية لا تنسجم، في رأيي، مع السياق الفلسطيني المستقل.

وأذكر في هذا السياق موقف سمير القنطار، الذي كان من أشد المؤيدين والمدافعين عن اتفاق أوسلو، وكيف نشأ بيني وبينه خلاف شخصي على خلفية هذه النقاشات التي كانت تصل أحيانًا إلى حد العصبية والحدة، نتيجة ما كان يطرحه القنطار من مواقف مرتبطة بقدسية نظرته إلى صدام حسين وأبو عمار.

وكان يصل به الأمر إلى اتهامنا، نحن الشيوعيين اللبنانيين، بأننا «أذناب حافظ الأسد» و«أتباع إيران الفارسية».

لكن بعيدًا عن ذلك السجال الذي كان يجري داخل المعتقل، كان هناك مسار سياسي آخر يتشكل في إسرائيل، وكان نتنياهو أحد أبرز مهندسيه.

فقد صعد نتنياهو سياسيًا من خلال معارضته الشديدة لاتفاق أوسلو، وخاض معركة شرسة ضده، مدركًا أن هذا الاتفاق يشكل نقطة ارتكاز أساسية لمعسكر اليسار الإسرائيلي.

وأذكر قوله الشهير من على منبر الكنيست إن اتفاق أوسلو «لن يبقى ولن يدوم ما دمت حيًا أرزق في دولة إسرائيل».

رابين واللحظة المفصلية

كان نتنياهو من أكثر السياسيين الإسرائيليين تطرفًا في معارضته لإسحق رابين. وكانت حملته ضد رابين شديدة إلى درجة أثارت الكثير من الجدل داخل إسرائيل.

ثم اغتيل رابين.

وفي أعقاب اغتياله، كتبت إحدى الصحف الإسرائيلية أن ذلك كان بمثابة نصر لبنيامين نتنياهو، لأنه فتح أمامه الطريق نحو الزعامة، وبدأ عمليًا نعي اتفاق أوسلو.

يومها، وأنا داخل المعتقل، أصبحت شخصية نتنياهو تثير اهتمامي أكثر. وقلت لعدد من الأصدقاء والرفاق الفلسطينيين: هذا الرجل سيكون «ثعلب إسرائيل» من الآن فصاعدًا.

كنت أرى أن من يتمكن من إزاحة خصومه داخل حزبه، ومن يستطيع هزيمة اليسار وحزب العمل الذي أسس دولة إسرائيل وبنى مؤسساتها، سيكون قادرًا على ترك بصمته في تاريخ الدولة العبرية.

وقلت يومها إن اسم نتنياهو قد يصبح، في الذاكرة الإسرائيلية، بحجم أسماء القادة التاريخيين مثل دافيد بن غوريون.

ثعلب إسرائيل يترجل على أحصنة الحروب

نعم، كان نتنياهو ثعلب إسرائيل.

تدرج في الصعود، ووصل إلى موقع القيادة، وبقي فيه سنوات طويلة، وأعاد تشكيل جزء كبير من الحياة السياسية الإسرائيلية.

هزم اتفاق أوسلو سياسيًا، وهزم خصمه الداخلي، أي اليسار الإسرائيلي، الذي تراجع حضوره إلى حد لم يعد معه حزب العمل يمثل القوة التي كان يمثلها في السابق في المعادلة الانتخابية.

ثم خاض حروبه في مواجهة أعدائه الخارجيين.

ويعتبر نفسه منتصرًا على حركة حماس، وعلى حزب الله في جنوب لبنان، وعلى ما يسميه «المحور الإيراني»، وصولًا إلى توجيه ضربات مباشرة إلى إيران وفي العمق الإيراني.

وبهذه الطريقة، بنى نتنياهو جزءًا كبيرًا من شرعيته السياسية على الحروب والمواجهات والتطرف الأمني والعسكري. وكلما اشتدت الأزمات، وجد فيها مساحة جديدة لتثبيت موقعه السياسي وتأجيل الاستحقاقات التي تهدده في الداخل.

ففي كل مرة كانت الحرب تمنحه هامشًا إضافيًا للمناورة، بما في ذلك في مواجهة القضاء وتأجيل محاكمته أو إبعاد ملفاته الداخلية عن صدارة المشهد السياسي.

الخوف الذي لا يغادره

لكن نتنياهو، الذي لم يعد يخاف كثيرًا من خصومه السياسيين أو من أعدائه الخارجيين، لديه هاجس واحد يبدو أنه يلاحقه باستمرار: أن يرى نفسه خلف القضبان.

فهو يدرك، مهما حاول إطالة الحروب وتأجيل الاستحقاقات، أن المحكمة الإسرائيلية تنتظره في نهاية المطاف، وأنه سيواجه اتهامات الفساد والهدر، إضافة إلى ما استجد من اتهامات سياسية تتعلق بإخفاقات 7 تشرين الأول/أكتوبر، وما إذا كانت قراراته أو سياساته قد ساهمت في عدم تدارك حجم الخطر ومنع وقوعه.

وقد يستطيع نتنياهو تأجيل المحكمة، أو الاحتماء بالحرب، أو إعادة إنتاج نفسه سياسيًا، لكنه لن يستطيع إلى الأبد إلغاء الأسئلة التي ستطرح حول مسؤوليته السياسية والأمنية.

انتصارات كثيرة.. لكن أي إرث؟

صحيح أن نتنياهو سجل انتصارات كثيرة وكبيرة في تاريخ إسرائيل من على كرسي القيادة. وصحيح أنه تمكن من البقاء في السلطة ومواجهة خصومه وإعادة رسم جزء من المشهد السياسي الإسرائيلي.

لكن التاريخ لا يقيس القادة فقط بعدد الحروب التي خاضوها أو الخصوم الذين هزموهم.

لقد حفر نتنياهو اسمه، حتى الآن، في ذاكرة إسرائيل بوصفه رجل الحرب والبطش والقوة والدماء.

لكن هل يستطيع أن يحفر اسمه بطلًا للسلام والأمان؟

أعتقد أن الجواب سيكون بالنفي.

فنتنياهو، بكل دهائه ومكره وقدرته على المناورة، لم يكن رجل المستقبل، بل رجل الصراع الدائم. وكلما اقترب من لحظة الحساب، كان يفتح جبهة جديدة، أو يدخل حربًا جديدة، أو يعيد إنتاج الخوف الذي يشكل إحدى أهم أدوات بقائه السياسي.

الانتخابات.. المعركة الأخيرة؟

حتى إذا فاز نتنياهو في الانتخابات المقبلة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أزمته السياسية انتهت. فهو يحاول اليوم، بحسب هذا المسار، إقصاء القوائم العربية ومنعها من خوض السباق الانتخابي، مدركًا أن توحدها يمكن أن يجعلها «بيضة القبان» في تحديد هوية رئيس الحكومة المقبلة.

لكن أزمة الحكم التي قد تلي الانتخابات ستكون حافلة بالمخاطر الداخلية، وقد تعيد تفجير الصراع السياسي الإسرائيلي من جديد.

وهنا قد يجد نتنياهو نفسه أمام معركة مختلفة تمامًا عن كل معاركه السابقة.

فالثعلب الذي نجح طويلًا في الإفلات من خصومه، وفي تغيير قواعد اللعبة كلما ضاقت به، قد يصل يومًا إلى مرحلة لا يستطيع فيها استخدام الحرب لإنقاذ نفسه، ولا المناورة السياسية لإبعاد خصومه، ولا تأجيل المحكمة إلى ما لا نهاية.

وقد تكون نهايته السياسية أشبه بموت ثعلب هزيل، فقد القدرة على النهوض وإعادة إنتاج مكره وخبثه كما فعل طوال عقود، ليس فقط داخل إسرائيل، بل أيضًا على مستوى القرار الدولي، ولا سيما في دوائر الإدارة الأميركية.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا