محليات

السيادة لا تكفي: هل تستطيع الدولة تثبيت الجنوبيين وحماية أرضها؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا ينفصل الموقف الرسمي اللبناني من استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتواصلة على الجنوب عن سؤال أوسع يتعلق بقدرة الدولة على تحويل خطاب السيادة إلى سياسة فعلية تحمي المواطنين وتعيد تثبيت حضور المؤسسات في المناطق الحدودية. فالمسألة لم تعد محصورة في الجانب العسكري أو الأمني، بل باتت ترتبط مباشرة بحياة آلاف اللبنانيين الذين يدفعون ثمن المواجهة من منازلهم وأرزاقهم وأمنهم واستقرارهم الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يبرز في الخطاب الرسمي تشديد واضح على أن معاناة الجنوبيين ليست كقضية محلية أو فئوية، بل قضية وطنية تعني الدولة بكل مؤسساتها. فالأضرار والتهجير والنزوح القسري لا تُقرأ بوصفها نتائج جانبية لجولة أمنية، بل باعتبارها مساساً مباشراً بحق المواطنين في البقاء على أرضهم والعيش بأمان داخل حدود دولتهم. ومن هنا يأتي التركيز على أن صمود سكان القرى الحدودية يحمل بعداً سيادياً بقدر ما يحمل بعداً اجتماعياً، لأن بقاء الناس في أرضهم يمنع تحويل المناطق الحدودية إلى مساحات فارغة قابلة لفرض وقائع جديدة عليها.

ويعكس هذا الموقف محاولة لإعادة ربط مفهوم السيادة بالدولة والمواطن معاً. فالسيادة لا تقتصر على الموقف السياسي من الاحتلال، بل تشمل أيضاً قدرة الدولة على حماية السكان وتأمين شروط صمودهم. وكلما طال أمد النزوح أو تعطلت الحياة الاقتصادية والخدمات الأساسية، تحولت الأزمة الأمنية إلى أزمة بنيوية تضرب علاقة المواطن بالدولة نفسها. لذلك يصبح تثبيت الناس في أرضهم جزءاً من استراتيجية وطنية لا تقل أهمية عن التحرك الدبلوماسي أو الانتشار العسكري.

لكن المعضلة الأساسية تكمن في الفجوة بين الإرادة السياسية والإمكانات المتاحة. فالدولة تعلن حضورها والتزامها بحماية مواطنيها، لكنها تتحرك في بيئة أمنية شديدة التعقيد، وفي ظل استمرار الاعتداءات والاحتلال ونقص الموارد وضعف البنى الخدماتية في عدد من المناطق المتضررة. ولهذا فإن التحدي لا يتمثل فقط في إعلان التضامن، بل في ترجمة هذا التضامن إلى سياسات قادرة على إبقاء المؤسسات حاضرة، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، ومنع تحوّل القرى الحدودية إلى مناطق مهمشة أو مهجورة.

ويتصل بذلك تأكيد رسمي متزايد على حصرية المرجعية الأمنية والعسكرية بالدولة ومؤسساتها الشرعية. وهذا المبدأ يكتسب دلالة خاصة في الجنوب، حيث يصبح انتشار الجيش والقوى الأمنية ليس أبعد من إجراء ميداني، بل تعبيراً عن تصور كامل للسيادة. فالهدف هو أن تكون الدولة المرجع الوحيد المسؤول عن أمن المواطنين، وأن يرتبط الدفاع عن الأرض بمنظومة مؤسساتية واضحة تخضع لقرار وطني واحد.

في المقابل، تدرك الدولة أن معالجة الوضع لا يمكن أن تتم من خلال المقاربة الأمنية وحدها. لذلك تستمر الرهانات على العمل السياسي والدبلوماسي والتفاوضي من أجل وقف الاعتداءات وتحقيق الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة وإعادة الاستقرار إلى المنطقة الحدودية. والهدف النهائي لهذا المسار هو خلق الظروف التي تسمح بانتشار الجيش على كامل الحدود المعترف بها دولياً وعودة السكان إلى قراهم من دون خوف دائم من تجدد التصعيد.

غير أن العودة وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع إعادة بناء فعلية. فالمناطق المتضررة تحتاج إلى خطة تتجاوز ترميم المنازل لتشمل إعادة تأهيل الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والمدارس والمراكز الصحية، إضافة إلى دعم البلديات التي تمثل خط التماس اليومي بين الدولة والمواطن. ومن دون هذا البعد الإنمائي، يبقى الصمود شعاراً أثقل من قدرة السكان على تحمله.

هنا يتبلور الاختبار الحقيقي للموقف الرسمي. فنجاح الدولة لا يقاس فقط بقدرتها على تثبيت مطالبتها بالانسحاب الإسرائيلي، بل بقدرتها أيضاً على منع الاحتلال والاعتداءات من إنتاج نزوح دائم أو انهيار اجتماعي في الجنوب. كما أن استعادة السيادة لا تكتمل بمجرد استعادة الأرض، بل تحتاج إلى استعادة الحياة الطبيعية فوقها.

وعليه، يبدو أن المقاربة الرسمية تسعى إلى الجمع بين ثلاثة مسارات مترابطة؛ الضغط السياسي لإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات، تثبيت المرجعية الأمنية للدولة وحدها، وبناء قدرة اجتماعية وإنمائية تسمح للجنوبيين بالبقاء والعودة والصمود. وبين هذه المسارات يتحدد معنى السيادة بصورة عملية، أي دولة قادرة على حماية حدودها، لكنها أيضاً قادرة على حماية الناس الذين يعيشون عند هذه الحدود.

داود رمال – أخبار اليوم

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا