محليات

آلان عون: لبنان عاجز في التفاوض.. كما الحرب

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في ظلّ الحرب المفتوحة على لبنان، والعجز عن حسم المواجهة عسكرياً أو تحقيق اختراق دبلوماسي، يقدّم النائب آلان عون قراءته للمشهد اللبناني ومآلات الصراع بين الدولة وحزب الله. في هذا الحوار، يتناول معادلة حصرية السلاح، وعهد ميشال عون، وعلاقته بالتيار الوطني الحرّ وجبران باسيل، كما يتحدث عن مستقبل التفاهمات المسيحية والعلاقة بين لبنان وسوريا الجديدة.

هل أنت اليوم راضٍ عن أداء جميع الأفرقاء في لبنان، في ظل العاصفة الكبيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والحرب التي نعيشها في لبنان؟

أنا لا أسمح لنفسي بأن أكون في موقع تقييمي للناس جميعًا. بالتأكيد، إذا سألتني عن طرف معين، يمكنني أن أعطيك رأيي فيه، ولكن…

سأسألك عن جميع الأطراف.

لدي رأي في الجميع، بالتأكيد، من خلال تجربتي، فأنا على تماس مع الجميع. دعني أقول إن الوضع ليس سهلًا، فنحن نمرّ بظرف استثنائي جدًا. قد تقول لي إن لبنان لا يمرّ بحروب ليس للمرة الأولى، ولكن ربما هذه هي المرة التي أشعر فيها أكثر من أي وقت مضى بأننا في حالة عجز عن التأثير في مجريات المسار الذي يؤثر فينا كثيرًا. لقد أصبح مصيرنا مرتبطًا إلى حد كبير بالمنطقة وبكل التحولات التي تحدث، لأن ما يجري ليس أمرًا بسيطًا.

ما يحدث اليوم هو اشتباك كبير بين محورين كانا يهيمنان على المنطقة طوال السنوات السابقة، ولكنهما دخلا الآن مرحلة اشتباك كبير جدًا، مع نية الحسم في هذا الموضوع. وهذا ما يجعل لبنان اليوم يتحول إلى ساحة أساسية، لأنه جزء من هذا الاشتباك الكبير بين المحورين، بحكم انتماء حزب الله إلى محور إيران، وانتماء إسرائيل إلى محور أميركا. والاشتباك اليوم لم يعد محصورًا في لبنان، كما حدث في مراحل سابقة، ولكن لبنان يُعدّ إحدى الساحات الأساسية.

اليوم، في حالة العجز التي نعيشها، هل يبذل جميع الأفرقاء والمسؤولين، في كل الجهات، ما يلزم من أجل محاولة إنقاذ لبنان؟ أم أننا في حالة استسلام وانتظار لما سيحدث حتى نتقبل النتيجة؟ هل نحن جالسون فقط على مدرجات الملعب، نتفرج على المباراة التي تجري، أم نحاول التأثير فيها، علمًا أن جزءًا من المباراة يحدث على أرضنا، وأن جزءًا من اللاعبين هم أيضًا لبنانيون، وهم حزب الله؟

ولكن، في صلب الحقيقة أيضًا، نحن على المدرجات تلقينا ضربة، عمليًا، بكل أسف. لكن الواضح أننا تلقينا ضربة.

نحن ساحة، لم أقل إننا ساحة أساسية وفيها تداعيات كبيرة، بل ساحة معركة، وليست مجرد ساحة سياسية. الدمار الذي حدث في لبنان، والتغيير الجذري الذي يجري في الجنوب… لقد حدث الدمار في جميع المناطق، على الأقل في الضاحية والبقاع والجنوب، ولكن ما يحدث تحديدًا في الجنوب يجري على مستوى التغيير الكبير الذي حصل. وإذا أخذنا الفترة من العام 2000 حتى الآن، فهذه أول مرة تعود فيها إسرائيل إلى احتلال لبنان بهذا الشكل وبهذا الحجم.

هناك أيضًا تغييرات جذرية في واقع حزب الله منذ العام 2000 حتى الآن، أو منذ العام 2006 حتى الآن، مقارنة بالواقع الذي كان قائمًا آنذاك. انهارت معادلة الردع التي كانت موجودة، واختل ميزان القوى كليًا على المستوى العسكري، وهناك احتلال إسرائيلي وصل اليوم إلى حدود النبطية، ولا نعرف أين سيصل غدًا.

هناك حالة عجز كلي على مستوى لبنان، فلا هو قادر على النجاح في مساره التفاوضي، ولا هو قادر على النجاح في مساره العسكري. فالمسار التفاوضي الذي اتبعته الدولة لا يسير، والمسار العسكري الذي يتبعه حزب الله لا يسير أيضًا.

وبالتالي، نحن اليوم في واقع صعب جدًا بالنسبة إلى لبنان، مع تأخر الانفراج الإقليمي، إذا أردنا أن نستخدم هذا التعبير. فالمسار الأميركي الإيراني، الذي يؤثر بشكل كبير في المسار اللبناني بحكم ارتباط الطرفين، إسرائيل وحزب الله، بأميركا وإيران، كلٌّ من جهته، وتأثرهما حكمًا بما سينتج عن الاتفاق الإيراني الأميركي، لا يسير نحو النهاية، ولا مسارنا نحن يصل إلى نهايته.

وبالتالي، نحن عمليًا في حالة مراوحة، وليس الأمر مجرد مراوحة، إذ قد ندخل في حالة تصعيد إضافي على المستوى العسكري، ما قد يقودنا إلى أكثر من مجرد مراوحة، وإلى مزيد من الخسائر والدمار والضحايا، وما إلى ذلك، وفي الوقت نفسه، لا نملك القدرة على التأثير في المسار.

هنا يوجد اختلاف كبير وسجال في البلد حول سبب هذا العجز اللبناني. وهذا هو السجال الأكبر الذي حدث بين حزب الله والدولة، أو على الأقل بين حزب الله ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والحكومة، حول مقاربة الحل المتعلق بالحرب.

حسنًا، ولكن هل يمتلك لبنان عمليًا خيارات؟ فالبعض يعتبر أن لبنان قدّم تنازلًا مجانيًا لإسرائيل، والبعض الآخر يعتبر أن ما فعله رئيس الجمهورية مكّنه عمليًا من وقف المزيد من التقدم الإسرائيلي على الأقل.

هذه النظرية، نظرية التنازل، أسأل: عن ماذا نتحدث؟ لقد حدث ما حدث في النبطية، فما تأثير ذلك، زيادةً أو نقصانًا، في الواقع الحالي؟ إذا كنا نتحدث عن الجانب المعنوي، فلنضع الأمر في الميزان. هناك محاولة لإعطاء فرصة لمسار دبلوماسي، حتى لو كانت حظوظه ضئيلة، أو معدومة وفق مفهوم حزب الله، مقابل ألا نفعل شيئًا.

لا أقول إنه لا توجد ملاحظات أو أخطاء تحدث، أو إن مضمون اتفاق الإطار جيد بتفاصيله. هناك أمور كثيرة غير جيدة فيه، لكن ما أريد قوله هو أننا في واقع معيّن.

ولكن هل كان لدينا خيار؟ عملياً، ليس السؤال عمّا هو بيد رئيس الجمهورية فقط، فهذا أيضًا سؤال يُطرح. الرجل أمام مساحة كبيرة من البلد محتلة، وهناك تهديدات، وتفوق واضح في التكنولوجيا المستخدمة في الحرب. فماذا كان بيد رئيس الجمهورية؟

ثم إن هناك وسيطًا أميركيًا تعتمد عليه حتى في إيران. مع من تتفاوض إيران؟ أليست تتفاوض مع أميركا؟ حسنًا، أنت اليوم، وبحكم الوسيط الأميركي محكوم عليك بأن يسير المسار الدبلوماسي بهذه الطريقة. حسنًا؟ هل ذهبت من حيث الشكل إلى التحدث مع إسرائيل؟ لقد أصبحنا في مكان آخر.

اليوم، ما يهمني هو المضمون. في المضمون، هناك التزام، لكن هناك شروطًا قاسية. هل تلتزم أم لا تلتزم؟ هناك انعدام ثقة بنوايا إسرائيل، وكل هذا أمر مشروع، وأنا أتفهمه. ولكن إعطاء هذا الاتفاق فرصة، لعلّه يحقق نتيجة، كان ممكنًا لو حصل قبول بفكرته الأساسية، وهي حصرية السلاح، لأن مبدأ هذا الاتفاق قائم على قرار الدولة بحصر السلاح، وهو قرار سابق للاتفاق، حتى لا نقول إننا اتخذناه من أجل إسرائيل. قرار حصرية السلاح اتخذته الدولة من قبل.

حسنًا، لماذا؟

في محاولة لتجنب الحرب، ومحاولة لسحب ذريعة أساسية من إسرائيل، ما زالت تستخدمها لمواصلة استهداف لبنان. لأن حرب العام 2024 انتهت، وتوقف إطلاق النار، لكن إسرائيل تفسر مقدمة الاتفاق على أنها تعني ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. أما حزب الله، فيعتبر أن حصرية السلاح تقتصر على جنوب الليطاني.

استمررنا خمسة عشر شهرًا في مواجهة الاستهداف، ولم يوقف الإسرائيلي تدمير المناطق التي احتلها، ولا الاغتيالات. أعتقد أن إسرائيل أيضًا لم تساعد أبدًا، بل واصلت استهدافها تحت الذريعة نفسها: أنا اليوم أواجه سلاحًا على حدودي، وأعتبره سلاحًا إقليميًا إيرانيًا، وجزءًا من محور يستهدفني ويهدد وجودي. وبالتالي، ما دام هذا السلاح موجودًا، فسأواصل استهدافه. هذه هي النظرية الإسرائيلية.

لننتقل إلى الجهة الأخرى، إلى نظرية حزب الله، وخاصة بعد الاحتلال. يقول حزب الله: أنا اليوم أواجه احتلالًا على أرضي، ويحق لي، بصفتي لبنانيًا، أن أحمل السلاح وأقاوم الاحتلال، وفق شرعة الأمم المتحدة وغيرها.

وبالتالي، نحن في هذه الحلقة المفرغة التي نعيشها، من دون أن أساوي، طبعًا، بين اللبناني الذي تحتل أرضه وبين من يحتل أرضه. لا أريد أن أضعهما في الإطار نفسه، وإنما أشرح الواقع وأصفه.

في هذه الحلقة المفرغة التي نعيش فيها، لا نجد حلًا. حزب الله اليوم لا يستطيع السير في مسار الدولة. ومسار التفاوض الذي يتبعه رئيس الجمهورية، إذا لم تتعاون معه في موضوع تسليم السلاح، لن يسير. ومن المؤكد أنه لن يتمكن من التقدم.

لماذا؟ لأن هذا شرط أساسي لسحب ذريعة أساسية من إسرائيل، وهي أنه لم يعد هناك سلاح إقليمي إيراني، بين قوسين، على حدودها، وأن هذا السلاح أصبح تحت رعاية الدولة، وليس تحت رعاية محور إيران.

إن انتقال السلاح إلى حصرية الدولة ينزع ذريعة أساسية تستخدمها إسرائيل لتبرير استهدافها للبنان، واستهدافها للبنان ولكل ما يحدث فيه.

هذه النظرية لا يقتنع بها حزب الله، فيقول لك إن نوايا إسرائيل غير سليمة. وأنا أقول لك إن من حقه أن يشك في نوايا إسرائيل. ولكن ما المسار الآخر؟

ولكن عمليًا، في بلد مثل لبنان، مع كل التاريخ الذي نعرفه عن لبنان، والأحزاب والميليشيات والمقاومات، لماذا يريد حزب الله أن يسلّم سلاحه؟ لماذا يريد حزب الله، في هذا الظرف، أن يأتي ويسلّم سلاحه؟

حتى أنهي المشكلة مع إسرائيل.

هل يمكنك أن تضمن ذلك؟

لا أستطيع أن أضمن، ولكن هل السلاح يوقفها أيضًا؟

السلاح يفتح المجال أمام المقاومة، لعلّ ذلك يحدث لاحقًا، حتى في السياسة

لماذا لا نعتمد المقاومة؟ لماذا لا نعطي هذا المسار حقه في مواجهة إسرائيل؟ كما يقول المثل عندنا في لبنان: «الحق الكذاب على باب الدار». أليس كذلك؟ هناك ضمانة أميركية وغيرها، وهناك فرصة دولية تقول الآن إن حصرية السلاح ستؤدي إلى انسحاب إسرائيل من لبنان.

ولكن عمليًا، لقد أصبح الاحتلال داخل الدار.

هو موجود في إطار الاتفاق. الاتفاق هو الذي جلب الإسرائيلي أم إسرائيل هي التي جاءت؟ ليس اتفاق الإطار هو الذي أدخل الإسرائيلي، بل اتفاق الإطار يحاول إظهاره. ربما تقول لي إنك لا تثق به، وإنه لن يصل إلى أي نتيجة، وهذا ممكن. لكنني اليوم أقول إن حصرية السلاح فرصة قد تؤدي إلى نتيجة إذا التزم الإسرائيلي، وإذا التزم الأميركي بالضمانات التي أعطاها، وقد لا تؤدي إلى نتيجة.

حسنًا، لمَ نتحدث عن السلاح اليوم الآن لا توجد انتخابات. قبل سنتين عشنا تلك المرحلة، وكل موضوع نتحدث عنه في وقته. ظروف الانتخابات وشروطها كلها تُفسَّر وتُناقَش في وقتها.

لكن علاقتي جيدة، لأنها قائمة على المصارحة. فأنا لا أتحدث بشيء… ما أقوله على الإعلام أقوله داخل أربعة جدران، ولا أقول شيئًا مختلفًا. الكلام نفسه الذي أقوله في مجلس النواب وفي خطاباتي، وأقوله على التلفزيون، هو نفسه الذي أقوله لهم داخل أربعة جدران.

وهذه مسألة أساسية في أي علاقة، حتى لو كنت مختلفًا مع شخص ما في وجهة نظر معينة، فمن المهم أن تصارحه بها. وأعتقد أن هذه مسألة أساسية في العلاقات، وأن الطرف الآخر يحترمها، حتى لو لم يكن راضيًا عن جميع أفكارك، أو لم تكن أنت راضيًا عن جميع أفكاره.

برأيي، هذا أمر أساسي جدًا. ولكن يجب أيضًا أن تترك بابًا للنقاش، أي أن يشعر الطرف الآخر معك بأنك لست جزءًا من مؤامرة تعمل على قطع رأسه. حتى لو كنت مختلفًا معه، فأنت تبحث معه عن كيفية إقناعه، كما يبحث هو عن كيفية إقناعك. لكن البلد، في النهاية، قائم على تفاهم مشترك، وعلى تحديد الهواجس المشتركة بين الطرفين.

أنا ضد فكرة أن حزب الله يخوّن كل شخص غير مقتنع اليوم بسلاحه. وأنا أيضًا ضد أن يخوّن أحد حزب الله، وألا يمنحه أي بُعد لبناني، وأن يقول لك إن هذا السلاح إيراني فقط، وهذا خطأ.

هناك شيء صحيح لدى الطرفين. فلا كل من يعارض السلاح خائن، ولا يمكن القول إن حزب الله اليوم ليس لبنانيًا على الإطلاق. لا يمكنك أن تنزع عنه هذه الصفة.

نسمعك جادًا في السياسة، ولكن لا يمكننا استضافتك من دون أن نسألك عن العلاقة اليوم بينك وبين التيار الوطني الحر. ألا يوجد أي تواصل على الإطلاق؟

لا، على المستوى الحزبي، لا يوجد، لأنهم اتخذوا موقفًا عدائيًا. أنا لم أكن من أصدر الموقف العدائي، بل صدر منهم.

وأنت لم تنزعج قليلًا من صدور هذا الموقف؟

لا، بعيدًا عن قصة قرار الانفصال الذي حدث، والفصل التعسفي الذي حصل، فإن كل ما جاء بعد ذلك، من هجوم وتهجم وأحقاد، كل هذا يدل على قلة أخلاق. من أشخاص تعيش معهم طوال حياتك، وفي لحظة واحدة يصبحون وكأنهم يخونونك.

هناك ثقافة حقد، وهذه الثقافة لم نكن معتادين عليها في التيار. لكنها أصبحت موجودة مع القيادة الحالية. هذا الأمر لا يعنيني، بصراحة، وليس لدي مشكلة. أواصل حياتي بشكل طبيعي.

أنا أؤمن بالناس، وبصراحة، هؤلاء الناس هم رصيدي، وهم الذين استمررت من أجلهم، والعلاقة معهم جيدة جدًا.

وماذا عن العلاقة مع الرئيس ميشال عون؟

ليس لدي مشكلة. الآن هو معتزل السياسة، وبالتالي لا توجد سوى علاقة شخصية، وهي لا تتغير.

هل تراه ضمن علاقة شخصية؟

هذا أمر خاص، وأفضّل أن يبقى ضمن الخصوصية، ولكن ما دام أنه لم يعد، إذا أردت، في موقع القيادة المباشرة، فقد سلّم قيادة التيار إلى قيادة جديدة، ولم يعد هو في موقع القيادة المباشرة. وبالتالي، عمليًا، لم تعد هناك علاقة بالمعنى السياسي. لقد بقينا معه حتى آخر يوم من حياته السياسية، بالمعنى الفعلي، قبل أن يتقاعد.

وقد كُثر الحديث في هذه الفترة عن حركة تصحيحية، إذا جاز لنا أن نقول ذلك.

لسنا معنيين، لسنا معنيين.

أعني أنت وإبراهيم كنعان.

نحن نواب معنيون، وبالتأكيد نحن شكّلنا مجموعة نيابية، ونتواصل بقوة مع نواب آخرين ضمن مجموعة أوسع. نحن نعمل ونؤدي عملنا، لكننا لا نسعى إلى تصحيح حزب أو أي شيء آخر. لسنا معنيين بذلك.

كل شخص، الله يوفقه في الطريق التي اختارها، ولكن هذا لا يلغي حياتنا، ولا يلغي تاريخنا، ولا يلغي مساهماتنا الحالية والمستقبلية في عملنا التشريعي والنيابي والوطني والسياسي.

نحن موجودون في النهاية، ولا أحد يستطيع إلغاءنا. وانطلاقًا من هنا، نقوم بعملنا كما يجب، وبمستوى جاد جدًا. وأعتقد أن الناس تحكم على من يتمتع بالمصداقية في عمله، ومن يتعامل بجدية في عمله. وفي النهاية، الرأي العام هو الذي يحسم هذه المعركة، إذا أردت، بيننا وبين الآخرين.

لكننا لا نعيش تحت هاجس أي شخص. بصراحة، أنا طويت الصفحة، ولا أضع نفسي في مواجهة التيار أو جبران أو أي شخص آخر. لست معنيًا بذلك. هم من يضعون أنفسهم في مواجهتي، بصراحة، وأشعر بذلك دائمًا، لكنني لست معنيًا. الله يوفقهم، يا أخي. خذوا نصيبكم، والله معكم، لكنني لا أعيش تحت هاجسكم. فقط عليهم أن يتوقفوا عن الانشغال بي.

هل تزعجهم؟ هل تشعر بذلك، خصوصًا في الموضوع النيابي، ولا سيما في منطقة المتن؟

لأنهم يتبعون منطق الإلغاء. فهم لا يريدون حتى أن تكون موجودًا. يخرج أحدهم ويتحدث عنك، ويقول إنك لا تساوي شيئًا، وإنك تساوي صفرًا. هذا هو منطقهم. هناك حالة مرضية، إذا أردت، وحالة نفسية. إنهم يريدون إلغاءك حتى يرتاحوا. أما أنا، فلا مشكلة لدي. الله يوفقهم. ليس لدي منطق إلغائي، ولا يهمني الأمر. لست معنيًا بذلك. ولو كان يفكر بهذه الطريقة، لكان نصف مشاكله مع الناس في لبنان قد حُلّ.

حسنًا، وبموضوعية، بما أنك اليوم خارج التيار، كيف تقيّم عهد ميشال عون؟ أنا أعرف أنك ناشط في التيار منذ سنوات. هل كان هذا العهد على قدر آمالك؟

لا، لم يكن على قدر آمال أحد، حتى إنه لم يكن على قدر آمال الرئيس عون شخصيًا.

كانت هناك ظروف قاهرة حدثت في عهده أيضًا، وعلينا أن نعطيه حقه. لم تكن هذه الظروف خارجية عنه بالكامل، فهناك مشكلات مزمنة انفجرت في وجهه، لكنها انفجرت في أيامه، مثل الانهيار المالي وانفجار بيروت.

حتى إن نترات الأمونيوم كانت موجودة منذ سبع سنوات، لكنها لم تنفجر إلا في ذلك الوقت.

الأزمة المالية تراكمية. لا أريد أن أقول لك إننا لا نستطيع تحميل أي شخص مسؤولية، فبمجرد أن تشارك في السلطة، تصبح لديك حصة من المسؤولية.

ولديك الكثير من الملاحظات على طريقة إدارة العهد، وعلى اختزاله بجبران، بصراحة.

كنت أتمنى أن يتمكن ميشال عون من ممارسة دوره رئيسًا للجمهورية بالقدر الذي كان ينبغي له شخصيًا، لكنه لم يتمكن من ذلك بالقدر المطلوب. فقد كان القرار الرئاسي، إذا أردت، موكلًا إلى شخص آخر.

وربما كان من الممكن أن تكون هناك مشكلات أقل في كثير من المواقع، وأن تكون الأمور أسهل، لأنه كان قادرًا على استيعاب الجميع، فهو شخص مكتفٍ بذاته. كان تعاطيه مع جميع الأطراف، من الرئيس الحريري إلى الجميع، والرئيس بري وغيرهما، من الممكن أن يكون مختلفًا لو لم تكن هناك حسابات شخصية تتعلق بكيفية إعداد رئيس للجمهورية من بعده. وبالتالي، أثّر ذلك في طبيعة إدارة العهد وعلاقاته، وما إلى ذلك، وكان تأثيره سلبيًا عليه.

هذه هي الأخطاء التي أتحدث عنها في الشق الداخلي. ولا أريد أن أتحدث عن الظروف القاهرة التي ذكرت لك أنها لم تكن مرتبطة به وحده، لكنها أثّرت أيضًا. بشكل عام، بالتأكيد، لم يكن العهد على قدر آماله الشخصية، ولا على قدر آمال كثير من اللبنانيين، ولا على قدر آمالنا. لكن علينا أيضًا أن نكون موضوعيين في القراءة.

في ظل كل الظروف التي رافقت العهد، لم يعد هناك شيء يُذكر عمليًا. وأنت والقوات اللبنانية، كيف هي العلاقة بينكما اليوم؟

علاقة عادية.

هل زادت أم انخفضت؟ أعني، بعد خروجك من التيار مثلًا.

لا، لم تتأثر. بقيت كما هي. علاقتي معهم اليوم هي نفسها التي كانت قبل ذلك، سواء عندما كنت في التيار أو بعد خروجي منه. لم أستغل وجود مشكلة بيني وبين التيار لأقيم تحالفًا معهم. ليست هذه طبيعة العلاقة. العلاقة عادية، وبقيت سليمة، وفيها اختلاف، وفي أوقات أخرى يوجد اتفاق. بقيت كما هي، وبالطريقة نفسها. لا يوجد أي تنسيق إضافي أو سياسة مشتركة مع القوات في أي موقع لم يكن موجودًا من قبل.

حسنًا، برأيك، في ظل هذه الظروف الدقيقة في المنطقة، حيث يُتحدث عن تغيير الحدود، وعن تغيير الدول، ألم يحن الوقت لكي يتفق الأفرقاء المسيحيون، على الأقل، على الحد الأدنى، حتى يتمكن لبنان من تجاوز هذه المرحلة؟

بلى، هم مضطرون إلى ذلك بالتأكيد، لكن هذا يحتاج إلى أشخاص، ويحتاج إلى تخفيف بعض الأمور.

كيف يمكننا الوصول إلى ذلك؟

نحتاج إلى أشخاص يفكرون قليلًا بمنطقنا، أي أن يكون لديهم قدر أقل من الأنا، حتى يتمكنوا من الاتفاق مع الآخر.

لا يمكن للمسيحيين أن يبقوا منشغلين بالسلطة فقط. أليس هناك شيء آخر في لبنان غير السلطة ومراكزكم وأحجامكم؟ لا يمكن أن تظل قضية الأحجام والسلطة طاغية على كل ما عداها، فتُعطّل تفكيرك. إذا فكرت اليوم في المصلحة العامة أكثر من المصلحة الخاصة، بمعناها المباشر والشخصي أو الحزبي، يمكنك أن تتقدم. إن خطأ المسيحيين في كثير من المواقع أنهم لم يكونوا على مستوى التحديات الوطنية بسبب صراعات السلطة، لا بسبب صراعات جوهرية أو مبدئية. فهم يتفقون على الكثير من الأمور الجوهرية والمبدئية التي تشكّل قواسم مشتركة. وهذه مسألة مطلوبة من الجميع، وليس من المسيحيين فقط، حتى لا نحصرها بهم.

اليوم، في بلد مثل لبنان، الذي يواجه هذه الصعوبات الكبيرة، والذي ليس بلدًا عاديًا يسير في حالة استقرار طبيعي، إذا كنت تتحدث عن بلد أوروبي يعيش حالة استقرار منذ فترة، ولا يحدث فيه سوى تداول السلطة، فسأقول لك: حسنًا، يمكنك أن تسمح لنفسك بصراعات ومنافسات. لكننا في بلد يمرّ بمرحلة إعادة تأسيس، وتغييرات جذرية، ولحظة قد تنفجر فيها الأوضاع. لبنان بلد صعب، وليس بلدًا يسير في حالة استقرار، بل يعيش حالة مستمرة من عدم الاستقرار. وإذا لم يكن هناك عدم استقرار أمني، فهناك عدم استقرار مؤسساتي، أو عدم استقرار سياسي.

أنت تعرف أننا لا نعرف حتى ما إذا كانت الانتخابات ستبقى وفق القانون نفسه. في كل مرة يطرحون علينا أمرًا جديدًا. لا أحد يعيش حالة عدم استقرار مثلما يعيشها لبنان. لذلك، في بلد كهذا، لا يمكنك أن تتصرف انطلاقًا من مجرد منافسة طبيعية على السلطة. يجب أن يبقى هناك عامل وطني، وأن تكون المصلحة العامة أكبر من مصلحتك الذاتية. وهنا ينجح السياسي أو يفشل، بقدر ما يستطيع أن يوازن بين الأمرين.

المواضيع كثيرة جدًا، لكن لدي سؤال أخير أريد أن أطرحه عليك. بما أنك خضت نضالًا طويلًا قبل عام 2005 ضد الوجود السوري في لبنان، ثم تغيّرت العلاقة بين التيار الوطني الحر والنظام السوري السابق، كيف ترى اليوم العلاقة بين لبنان وسوريا الجديدة؟

يجب أن تكون علاقة طبيعية. نحن لسنا معنيين… نحن معنيون بعلاقة بين بلدين، أليس كذلك؟ لسنا معنيين بالتدخل في الخيارات التي يتخذها السوريون، فهم من يقررونها. اليوم، اختار الشعب السوري هذا الخيار، ويجب احترام إرادته. وقد اتخذ هذا الخيار بالطريقة التي اتخذها بها. وانطلاقًا من هنا، عليك أن تبحث عن كيفية إقامة أفضل علاقة مؤسساتية بين لبنان وسوريا. لا نريد العودة إلى إقامة علاقات بين سوريا وجزء من اللبنانيين، كما كان يحدث سابقًا، وتكرار أخطاء النظام السابق.

يجب أن تكون علاقة سوريا مؤسساتية مع جميع اللبنانيين. والأمر نفسه ينطبق على اللبنانيين، فليس مطلوبًا منهم أن يذهبوا إلى سوريا ويستنجدوا بها من أجل الاستقواء على اللبنانيين الآخرين. يجب أن يتعاملوا مع سوريا باعتبارها بلدًا جارًا، وأن نبني أفضل العلاقات التي تضمن حسن العلاقة وحسن الجوار والاستقرار الدائم بيننا وبين هذا البلد. فنحن نتشارك حدودًا طويلة مع سوريا، وهي تشكّل الجزء الأكبر من حدودنا، أو جزءًا كبيرًا منها على الأقل. لدينا البحر، ولدينا من هذه الجهة قطعة صغيرة من الحدود مع إسرائيل، أما بقية الحدود كلها فهي مع سوريا. لذلك، نحن في حاجة حيوية إلى هذا البلد وإلى علاقات جيدة معه. وأصلًا، نحن اليوم، كشعبين، نحتاج إلى علاقة سلسة. فنحن نتشارك اللغة والثقافة، وهناك الكثير من أوجه القرب والروابط العائلية بيننا. وعمليًا، لا توجد أسباب تحول دون إقامة علاقة جيدة بيننا، إذا كان التعاطي سليمًا من الطرفين وعلى المستوى المؤسساتي. لا توجد أسباب تمنع أن تكون العلاقات جيدة بيننا وبين سوريا.

شربل عبود - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا