لهذا يُستَهدَف عزيز ومستشاري الرئيس..
يبدو أن المعركة السياسية على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لم تعد تقتصر على مواقفه وقراراته، بل انتقلت إلى محاولة استهداف الحلقة الأقرب إليه، أي مستشاريه، فبعدما لم يتمكن خصوم العهد من التقاط أي ملفات على الرئيس لاستخدامها في مواجهته، انتقل الهجوم إلى المحيطين به، في محاولة لضرب صورته من بوابة مستشاريه والتشكيك بأدائهم وأدوارهم وعلاقاتهم.
وهنا تحديدًا تبرز أسماء العميد أندريه رحّال، العميد المتقاعد أنطوان منصور، مدير مكتب رئيس الجمهورية العميد المتقاعد وسيم الحلبي، والمستشار السياسي جان عزيز، وهي أسماء لا تشغل مواقع هامشية في بعبدا، بل تنتمي إلى الحلقة التي تعمل إلى جانب الرئيس في ملفات سياسية وأمنية وإدارية ودبلوماسية مختلفة.
أندريه رحّال هو من أبرز الأسماء القريبة من جوزاف عون، والعلاقة بين الرجلين ليست وليدة وصول عون إلى قصر بعبدا، بل تعود إلى سنوات المسيرة العسكرية، وقد ظهر رحّال في عدد من الاتصالات السياسية التي قامت بها رئاسة الجمهورية، بما فيها لقاءات واتصالات مع قوى سياسية لبنانية، ما يعكس طبيعة الدور الذي يؤديه داخل الدائرة الرئاسية.
وقرب رحّال من الرئيس ليس مجرد تفصيل في تركيبة المستشارين، فهو ضابط عرف جوزاف عون في مراحل سابقة من مسيرته، ويعرف طريقة تفكيره وآلية تعاطيه مع الملفات، ولذلك فإن وجوده إلى جانب الرئيس يعطيه موقعًا خاصًا داخل الحلقة التي تتولى متابعة الملفات السياسية الحساسة، هذا إضافة إلى القرابة التي تجمعه بالرئيس، والتي تضفي المزيد من الثقة والتقارب، على غرار ما تشهده إدارات عدّة، منها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يعتمد على أفراد من الأسرة، انطلاقًا من ثقة كبيرة وكفاءة يبديها هؤلاء.
أما العميد المتقاعد طوني منصور، فقصته مع جوزاف عون تعود أيضًا إلى مرحلة قيادة الجيش، ومنصور ليس اسمًا طارئًا على الفريق المحيط بالرئيس، بل شخصية رافقته في مرحلة أساسية من مسيرته العسكرية، قبل أن ينتقل معه إلى موقعه الحالي في رئاسة الجمهورية.
ويُعرف منصور، بحسب العارفين بطريقة عمله، بالهدوء والشفافية والتروي، وبأنه لا يقدم على خطوة قبل دراسة تفاصيلها ونتائجها وانعكاساتها، وموقعه كمستشار أمني وعسكري يضعه في قلب ملفات تحتاج إلى هذا النوع من التفكير الهادئ والدقيق، خصوصًا في مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والدولية.
أما جان عزيز، الذي يبدو أنه تحوّل إلى الهدف الأبرز في الحملة الحالية على مستشاري رئيس الجمهورية، فالهجوم عليه لم يعد خافيًا، وقد وصل في الآونة الأخيرة إلى حدّ تناوله عبر وسائل إعلام محسوبة على الخط السياسي الممانع، وفي مقدّمها الهجوم الذي شنّه مسؤول العلاقات العربية والدولية في حزب الله عمار الموسوي، والذي أثار انتقادات واسعة في الأوساط المؤيدة لعزيز والرئاسة، فيما عزيز نفسه سبق أن ردّ على ما وصفه بتلفيقات ونسب تصريحات إليه، مؤكدًا تمسكه بمقاربته لإنقاذ لبنان ومصلحة الدولة.
إذًا، جان عزيز ليس مستشارًا سياسيًا بلا موقف، هو صاحب فكر سياسي، ويقارب الملفات من زاوية تقوم على قراءة دقيقة للتحولات، وعلى أولوية الدولة ومؤسساتها، وفي مرحلة سابقة، كان يتعامل مع المقاومة باعتبارها نتاجًا لظروف وحاجة فرضتها مراحل معينة، فيما بات يرى، مع تغيّر الظروف، أن استمرار السلاح خارج سلطة الدولة أصبح عبئًا على لبنان، وأن المرحلة تفرض العودة إلى منطق الدولة وحصرية قرارها.
وهذا الطرح لا يعني، في هذه المقاربة، الدعوة إلى إلغاء حزب الله من الحياة السياسية اللبنانية أو التعامل معه كجسم خارج المجتمع اللبناني، بل يقوم على الفصل بين الحزب كحزب سياسي لبناني له حقوقه، وبين مسألة السلاح والقرار السيادي وواجب أي طرف سياسي تجاه الدولة ومؤسساتها.
وعن عزيز، فهو يتحدّث عن دولة تملك قرارها، وعن حقوق للبنانيين، وعن إعادة إعمار وتعويض المتضررين، وعن استعادة الدولة لدورها، من دون أن يعني ذلك التعامل مع الحزب ككيان غير لبناني أو إنكار وجوده السياسي.
ولهذا السبب تحديدًا، يرى مؤيدو عزيز أن الحملة عليه ليست منفصلة عن الصراع السياسي الأوسع حول خيارات رئيس الجمهورية، فالرجل موجود داخل الفريق الرئاسي، ويحمل تصورًا سياسيًا يتقاطع في جوانب أساسية مع خطاب عون حول الدولة وحصرية القرار، وبالتالي فإن استهدافه يمكن أن يُقرأ، من وجهة نظر هؤلاء، كجزء من محاولة الضغط على بعبدا.
والأمر نفسه ينطبق على بقية المستشارين، فالعميد وسيم الحلبي، مدير مكتب رئيس الجمهورية، يشكل حلقة أساسية في الإدارة اليومية للعمل الرئاسي، بحكم موقعه المباشر إلى جانب الرئيس ومتابعته الملفات والاتصالات التي تمر عبر المكتب، وهو ليس مستشارًا سياسيًا بالمعنى الضيق، لكن موقعه يجعله من أكثر الأشخاص التصاقًا بآلية العمل داخل القصر الجمهوري.
وبالتالي، فإن الحديث عن محاولة تطويق الرئيس من خلال مستشاريه لا ينطلق فقط من كون هؤلاء قريبين منه، بل من كون كل واحد منهم يمسك بجزء من الملفات التي تحتاجها الرئاسة: رحّال في التواصل السياسي، منصور في الملفات الأمنية والعسكرية، عزيز في المسار السياسي، والحلبي في إدارة مكتب الرئيس ومتابعة العمل اليومي.
من هذا المنطلق، المشكلة تكمن في عدم العثور على ما يسمح بضرب الرئيس شخصيًا، وبالتالي جرى الانتقال إلى المستشارين، أي أن المعركة لم تعد فقط حول أداء الأشخاص، بل حول محاولة إضعاف الدائرة التي يعتمد عليها الرئيس في إدارة ملفات الدولة، فكفّه النظيم حرم خصومه من "حجّة" تعطيهم الحقّ بالتصويب عليه.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا النقاش حول طبيعة العلاقات الخارجية التي يتمتع بها بعض مستشاري عون، فوجود علاقات واتصالات مع عواصم غربية وعربية وجهات دولية يمكن أن يكون عنصرًا مساعدًا لأي رئاسة تحاول فتح قنوات تفاوض واتصال لمصلحة البلد.
ومن هنا أيضًا تأتي المقارنة التي يطرحها البعض بين مستشاري رئيس الجمهورية وبعض المحيطين برئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما بعد العقوبات الأميركية التي طالت شخصيات مرتبطة بدائرة بري، كما طالت تهم الفساد والعقوبات عليها بعض المنتمين لحزب الله، بينما الفريق القريب من رئيس الجمهورية، يتحرك في شبكة واسعة من الاتصالات الدولية، مقابل شخصيات سياسية قريبة من رئيس المجلس طالت بعضها عقوبات أميركية، والمهم هنا أن تُترك الوقائع لتتكلم عن نفسها.
أما الرئيس الذي وصل إلى بعبدا بعد سنوات طويلة من العمل العسكري لا يمكن فصل طريقة إدارته للسلطة عن شخصيته التي تشكلت في المؤسسة العسكرية، وقد جعل في خطاباته ومواقفه مسألة الدولة ومؤسساتها والقرار السيادي وحصرية استخدام القوة من العناوين الأساسية في عهده.
ولذلك، فإن الذين يريدون الضغط على عون أمامهم رئيس له فريق من المستشارين، لكل واحد منهم اختصاصه وشبكة علاقاته وخبرته، وليس مجموعة أشخاص يمكن عزلهم بسهولة عن الرئيس أو إخافتهم بحملة إعلامية، والأهم أن محاولة تحويل هؤلاء المستشارين إلى "خونة" أو أصحاب أجندات ضد لبنان، لمجرد أنهم يحملون مواقف سياسية لا تعجب هذه الجهة أو تلك، لا تعطي جوابًا عن السؤال الأساسي: ماذا فعل هؤلاء ضد لبنان؟ إذ أنهم – أي من يصوّبون على المستشارين – هم الذين حكموا لسنوات طويلة، وعاثوا في البلد خرابًا، جاء اليوم عون ومعه فريق عمل متكامل ليبني ما قاموا بهدمه.
فالحديث عن الكفاءة إذًا، يُقاس بالأداء، والحديث عن الوطنية يُقاس بالمواقف والممارسة، والحديث عن العلاقات الدولية يُقاس بما إذا كانت تُستخدم لمصلحة لبنان، لا بمجرد وجودها، وفي حالة جان عزيز تحديدًا، فإن الهجوم عليه لا يلغي حقيقة أنه أحد أبرز الأصوات السياسية الموجودة إلى جانب عون، وأن الرجل يتعامل مع الملفات من موقع سياسي وفكري واضح، كما أن الهجوم على طوني منصور أو أندريه رحّال لا يلغي سنوات العلاقة والعمل إلى جانب جوزاف عون.
وفي النهاية، قد يختلف اللبنانيون جذريًا حول جوزاف عون وحول خياراته، وهذا حق سياسي طبيعي، لكن إذا كانت المعركة مع الرئيس، فالأجدى أن تكون المعركة مع الرئيس وقراراته ومواقفه، لا أن تتحول إلى محاولة لضربه عبر مستشاريه، لأن استهداف المستشارين، في القراءة السياسية التي تتبلور داخل بعبدا ومحيطها، لا يبدو منفصلًا عن استهداف الرئيس نفسه، وكلما ارتفعت الحملة على الحلقة المحيطة به، يبرز السؤال نفسه: هل المطلوب فعلًا محاسبة مستشارين، أم أن الهدف هو الضغط على رئيس الجمهورية من بوابة الأشخاص الذين يثق بهم ويعملون إلى جانبه؟ أو ربما نقل المعركة من المواجهة مع إسرائيل واستعادة القدس، إلى مواجهة المستشارين والرئاسة للتغطية على الهزيمة الهائلة التي تعرّض لها المحور؟
تقلا صليبا -الكلمة اونلاين
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|