محليات

ما علاقة تجاهل ترامب ذكر لبنان برفضه التمديد لـ "اليونيفيل"؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن طبيعيًا ألا يرد اسم لبنان على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مستهجنًا في خطاب امتد نحو 37 دقيقة تناول ملفات إيران وأوكرانيا وغزة وإصلاح الأمم المتحدة والسياسة الأميركية الدولية. لكن تجاهل ذكر لبنان يكتسب دلالة إضافية عندما يوضع إلى جانب الموقف الأميركي من مستقبل قوات "اليونيفيل" في الجنوب.
 

ففي الوقت الذي كانت فيه بيروت تتحرك في نيويورك للمطالبة باستمرار حضور دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، كانت واشنطن قد ذهبت عملياً إلى الاتجاه الآخر، إذ أكدت أن لا تمديد للمهمة بصيغتها الحالية، بعدما أقر مجلس الأمن أن يكون تمديدها حتى 31 كانون الأول 2026 هو الأخير، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب تدريجية ومنظمة في غضون عام.
وهنا تبرز المسألة التي تتجاوز "اليونيفيل" نفسها. فهل تريد الولايات المتحدة إنهاء مهمة الأمم المتحدة في الجنوب، أم تريد إنهاء الدور الأممي التقليدي وإعادة صياغة الدور الدولي بطريقة مختلفة؟

 


المعطيات المتوافرة حتى الآن تشير إلى الاحتمال الثاني أكثر من الأول. فالولايات المتحدة لم تبدِ تأييداً لتمديد جديد لـ "اليونيفيل"، فيما كانت فرنسا ولبنان يدفعان في اتجاه استمرار المهمة أو إيجاد صيغة بديلة تحفظ الحضور الدولي. وفي المقابل، بدأت باريس تستضيف نقاشاً حول مهمة دولية أو أوروبية جديدة خارج إطار الأمم المتحدة، تركز بصورة أكبر على تدريب الجيش وتجهيزه وتبادل المعلومات ومواكبته ميدانياً.
 

وهذا التحول ليس حدثًا تقنياً بحتًا. فـ "اليونيفيل" كانت تعمل منذ عقود ضمن تفويض صادر عن مجلس الأمن، بينما أي صيغة جديدة خارج هذا الإطار ستحتاج إلى تحديد مختلف للجهة التي تقودها، وللقواعد التي تحكم عملها، ولعلاقتها بالجيش.

والأهم أن الاتجاه الأميركي يبدو مرتبطاً بفكرة أخرى، وهي أن يصبح الجيش هو صاحب الدور الأمني الأساسي في الجنوب، وليس أن تبقى القوة الدولية بديلاً دائماً عن الدولة اللبنانية. وهذا يتطابق مع الهدف المعلن في قرار مجلس الأمن 2790، الذي جعل انسحاب "اليونيفيل" عملية انتقالية باتجاه تولي الحكومة اللبنانية مسؤولية الأمن في الجنوب.
 

لكن واشنطن، في المقابل، لا تبدو وكأنها تريد ترك فراغ أمني في مرحلة شديدة الحساسية. فقد طُرحت في أوساط سياسية وأمنية أميركية أفكار حول آلية انتقالية تقودها الولايات المتحدة وتضم شركاء عرباً وأوروبيين ودوليين، بهدف دعم الجيش وصولاً إلى تمكين الدولة اللبنانية من بسط سيادتها على كامل أراضيها.

ومن هنا يصبح مؤتمر باريس في 17 أيلول أكثر أهمية. فالاجتماع الذي جمع الرئيسين إيمانويل ماكرون وجوزاف عون والملك الأردني عبدالله الثاني، بمشاركة عسكرية ودبلوماسية دولية وعربية، لم يكن مجرد مؤتمر لدعم الجيش بالمال والسلاح. فقد تزامن مع البحث في شكل الوجود الدولي الذي يمكن أن يخلف "اليونيفيل" في الجنوب، في وقت كانت فيه المخاوف تتزايد من حصول فراغ أمني مع بدء الانسحاب في مطلع 2027.
 

لكن ترامب، في خطابه أمام الجمعية العامة، لم يضع أياً من هذه العناوين على جدول خطابه، بل ركز على إيران، والحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية، وأوكرانيا، وإصلاح الأمم المتحدة، وتقليص كلفة المنظمة الدولية، مؤكداً أن إدارته خفضت موازنة الأمم المتحدة وألغت آلاف الوظائف فيها.
 فغياب لبنان عن خطاب ترامب، بحسب أوساط دبلوماسية، لا يعني غياب الملف اللبناني عن السياسة الأميركية. لكن الفرق بات واضحاً بين لبنان كقضية تُدار داخل المؤسسات الدولية، ولبنان كملف أمني وسياسي تتعامل معه واشنطن بصورة مباشرة مع بيروت وتل أبيب وحلفائها الأوروبيين والعرب. وهنا تكمن المفارقة.
فإذا كانت واشنطن بالفعل تدفع في اتجاه إنهاء مهمة "اليونيفيل"، فهذا لا يعني بالضرورة أنها تتخلى عن الجنوب. قد يعني أنها تريد انتقالاً من قوة أممية واسعة الانتشار إلى ترتيبات أكثر تحديداً، أي أن يوضع الجيش في الواجهة، وأن يكون الدعم الدولي في "الحديقة الخلفية"، على أن يجري تحديد آلية الرقابة أو التدريب أو التحقق لاحقاً.


وبذلك يصبح السؤال الحقيقي بعد "اليونيفيل" ليس من سيأتي مكانها، بل من سيمسك بالقرار الأمني في الجنوب؟
فإذا كان الجواب عن هذا التساؤل هو الجيش، فإن انتهاء مهمة "اليونيفيل" يصبح جزءاً من عملية انتقالية نحو تعزيز سلطة الدولة. أما إذا تحولت القوة البديلة إلى طرف أمني جديد يملك صلاحيات مستقلة، فإن لبنان قد ينتقل من مظلة دولية إلى مظلة أخرى، من دون أن تكون الدولة قد أمسكت فعلياً بكل مفاتيح الجنوب.
أما صمت ترامب عن لبنان، فربما تكون دلالته الأهم أنه لم يعد يريد تقديم الملف اللبناني باعتباره قضية أممية مستقلة في خطابه العالمي. وهذا لا يكفي وحده للقول إن واشنطن "سحبت الملف اللبناني من الأمم المتحدة"، لكنه ينسجم مع مسار سياسي وأمني يتجه إلى تقليص الدور الأممي المباشر، وزيادة الاعتماد على ترتيبات تقودها الدول المعنية والجيش والشركاء الإقليميون والدوليون.

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا